السيد محمد حسين فضل الله
168
من وحي القرآن
توثيق المعاملات المالية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ . وذلك بأن يراعي العدل في كتابته ، فيكون دقيقا في كل الخصوصيات المتعلقة بالموضوع ، فلا يكتب ما لا أساس له في القضية . وقد عبر بالدّين ولم يعبر بالقرض ، لأن القرض هو أن يأخذ الإنسان من إنسان آخر نقدا معينا أو بضاعة معينة إلى أجل ليدفعه الآخر عند حلول الأجل ، مثلا بمثل ، أما الدّين ، فهو كل تعامل مبني على عوض أو معوّض مؤجّل ، كما في الإجارة أو البيع أو الصلح أو نحوها ، بحيث يكون أحدهما مدينا للآخر . وفي ضوء ذلك ، فإن الآية تشمل القرض كما تشمل كل المعاملات المشتملة على تأجيل أحد العوضين ، وليست الكتابة واردة على سبيل الوجوب ، بل الإرشاد ، على الرغم من ظهور الأمر في الوجوب ، لأن الظاهر من سياق الآية هو ورود المسألة على سبيل الاستيثاق ، ولذلك قال تعالى بعد ذلك : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ممّا يوحي بأن القضية ناظرة إلى المستقبل الذي قد يتمخض عن بعض الأوضاع والانحرافات التي تؤدي إلى النزاع فيما بينهما ، فأريد توثيق الدّين بحيث لا يستطيع المدين أن ينكره في ما بعد . وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ وفي هذا إيحاء بأن الثقافة مسؤولية المثقف في الإسلام لمن يحتاج إليه ، فليس له الامتناع عن تقديمها للآخرين الذين يحتاجون إلى خدماتها في أمورهم ، لأنها ليست شيئا ذاتيا بعيدا عن المسؤولية . وقد يستوحي الإنسان منها ضرورة وجود أشخاص في المجتمع يملكون مثل هذه المعرفة التي تساهم في تنظيم وثائق المجتمع في معاملاته مما يحتاج فيها إلى التوثيق ، ولعل وظيفة « كاتب العدل » الذي يعمل على كتابة العقود المتداولة بين الناس بما فيها الديون مستوحاة من هذه