السيد محمد حسين فضل الله

156

من وحي القرآن

ويخلص الباحث - من خلال ذلك كله - إلى أن المصارف في حالتها الحاضرة ووفقا لقوانينها العالمية ، إنما هي حاجة من حاجات العباد ، ولا تتمّ مصالح معاشهم إلا بها ، فلم يكن من الجائز التسرع والحكم عليها بأنها من الربا المقطوع فيه ، وذلك لأن حظرها يوقع العباد في حرج في معاشهم لا مثيل له ، بل يهدد كيان الدولة والأمة ، ويقضي نهائيا على مصالحهم الاقتصادية المشروعة ، وأن الحرج - كما عرفت - ممنوع بنص القرآن الكريم « 1 » . مناقشة النظرية ونلاحظ على هذه الدراسة أنها انطلقت مما نقله صاحبها عن الإمام أحمد ، وهو أن القرآن الكريم كلما ذكر الربا بسوء ، أوصى الدائن بالصدقة على مدينه . ولهذا استفاد من الآيات أن المدين محتاج للصدقة عملا بظروف الدين ، ولذلك فهو مظلوم ، كما هي الخاصة الأولى في الربا القرآني ، ولكن المسألة المطروحة في الآيات هي الحديث عن الربا باعتباره مظهرا من مظاهر الحالة النفسية المعقدة التي تختزن في داخل الذات الإحساس بالذاتية في الحصول على المال بأية طريقة ، فلا تنفتح على الآخرين ، وهذا ما يوحي به قوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ، فهو الإنسان المصروع الذي يعيش الاهتزاز النفسي أمام نوازع الذات التي هي عالمه المنغلق على الآخرين ، إلا في نطاق حاجاتها

--> ( 1 ) فتوى د . معروف الدواليبي في موضوع الربا والمصارف ( حول موقف الشريعة من المصارف ) والأحكام والقواعد العامة الشرعيّة .