السيد محمد حسين فضل الله
148
من وحي القرآن
يتماسك الإنسان أمامه ؟ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ . ويعود الأسلوب الرحيم الذي يثير أمام الإنسان خط التراجع في الحلّ المتوازن ، فهناك المجال الواسع للتوبة التي لا يريد اللَّه فيها للإنسان أن يخسر ماله ويفقده جزاء على ما فعله من المعصية ، بل يريد له أن لا يظلم الناس ، وإذا كانت القضية قد انطلقت من قاعدة رفض الظلم ضد المدين ، فلا يمكن للَّه أن يقبل وقوع الظلم على الدائن من قبل المدين بأن يسلطه على رأس المال الذي دفعه إليه . وقد جاء في الدر المنثور : أخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عمرو بن الأحوص ، أنه شهد حجة الوداع مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم فقال : ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون « 1 » . وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ . أمّا إذا كان المدين معسرا لا يستطيع أن يرجع رأس المال إلى صاحبه في الوقت الحاضر ، فإن اللَّه يريد من الإنسان المؤمن أن ينتظره حتى يتمكن من ذلك ويجعل له اللَّه من أمره يسرا ، لأن ذلك هو خط العدل والرحمة في معناهما الإنساني الواقعي ، فإذا كان العدل يفرض على المدين أن يدفع ما في ذمته إلى دائنه فلا يأكله بالباطل ، فإنه يفرض على الدائن أن يراعي ظروف المدين في حالة العسر ، فلا يضطره إلى أن يبيع ما يحتاجه من ضرورات الحياة الطبيعية أو يرهق نفسه بدين جديد يضطر إلى الخضوع فيه لشروط صعبة في ماله وكرامته وحياته ، لأن حركة العدل في الحقوق والعلاقات تبقى في نطاق القدرة العادية للإنسان ، فلا تتجاوزها إلى ما يخرج عن القدرة ، فإن في ذلك الحرج كل
--> ( 1 ) الدر المنثور ، ج : 2 ، ص 109 .