السيد محمد حسين فضل الله
138
من وحي القرآن
الظاهر من سياق الكلام هو إنكارهم التفريق بينهما في التشريع ، في حلّية هذا وحرمة ذاك ، فكأنهم يريدون أن يقولوا : إن الشيء الذي تمارسونه وتستحلونه لا يختلف عن الشيء الذي نمارسه مما تستنكرونه علينا وتحرمونه على أنفسكم ، فلا بد لكم من أن تحرموهما معا أو تحللوهما معا ، وما دامت المسألة حاسمة لديكم في تحليل البيع ، فلا بد من أن تكون كذلك بتحليل الربا ، لأن وحدة العلة تقتضي وحدة المعلول . وربما يؤكد ذلك قوله تعالى في الفقرة التالية من الآية : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فإنه يوحي بالإنكار عليهم في ما قرروه من رفض الفكرة في الفرق بينهما ، من دون تحديد لخصائص التعبير وذلك من خلال دعوتهم إلى التفكير في المسألة بشكل أعمق من خلال معرفتهم بأن اللَّه أحل البيع وحرم الربا ، مما يعني بأن هناك مفسدة كبيرة في الربا ليست موجودة في البيع ، وأن هناك مصلحة في البيع لا يتضمنها الربا ، لأن اللَّه لا يشرّع حكما إلا من خلال ما يحقق صلاح الإنسان أو يبعده عن الفساد . وفي ضوء ذلك يمكن فهم كلام علماء البلاغة ، من أن هذا من التشبيه المقلوب ، فإنهم يريدون القول : إنما الربا مثل البيع ، ليصلوا إلى غرضهم وهو التحليل ، فعكسوا الكلام للمبالغة وقالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا الذي يوحي بأنهم يريدون تحريم البيع ، من خلال الظاهر ، فأصبح المشبّه به قائما بالمشبه وتابعا له ، فإن هذا النحو من القلب في الكلام لا يبتعد عن تحقيق غرضهم بالطريقة التي أشرنا فيها إلى معنى الكلام المذكور . معنى الذي يتخبطه الشيطان من المس وقد عرض المفسرون لجانب آخر في تفسير هذه الفقرة من الآية ، فإننا