السيد محمد حسين فضل الله
119
من وحي القرآن
فيكون إلحاح ، كقول الأعشى : لا يغمز الساق من أين ومن نصب * ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر ومعناه ليس بساقها أين ولا نصب فيغمزها ، ليس أن هناك أينا ولا يغمز ، كما جاء في مجمع البيان « 1 » . وقد ذكر صاحب الميزان ، أنه لا يبعد أن يكون المراد نفي الإلحاف لا أصل السؤال ، ويكون المراد بالإلحاف ما يزيد على القدر الواجب من إظهار الحاجة ، فإن مسمّى الإظهار عند الحاجة المبرمة لا بأس به ، بل ربما صار واجبا ، والزائد عليه وهو الإلحاف هو المذموم « 2 » . ولكننا نلاحظ أن الآية ليست في مقام بيان التفاصيل من حيث الإشارة إلى ما هو واجب أو راجح أو غير واجب وراجح في السؤال ، بل في مقام بيان الطبيعة القوية لهؤلاء ، بحيث يتمردون على آلام الحاجة وقد يموتون تحت تأثير ذلك ، فهي من نوع الحاجة الملحّة القاسية التي قد تدفع الآخرين إلى أن يسألوا الناس إلحافا ولكنهم لا يفعلون ذلك ، مما يفرض على الناس اكتشافهم وسد حاجتهم بالصدقات ، لأنها شرّعت لأمثال هؤلاء من أجل حلّ مشكلتهم الضاغطة الصعبة . وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ في الموارد التي أرادكم اللَّه أن تنفقوا فيها من الخير المنفتح على حاجات الناس والحياة فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فهو يجازيكم عليه . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ بحيث يتحول الإنفاق في حياتهم إلى نهج في حركة الشخصية من خلال ما يتمثلونه في نظرتهم إلى الواقع في مشاكله ومآسيه ، وفي مسئولياتهم تجاه ذلك ، مما حمّلهم اللَّه من واجبات وحقوق للناس المحرومين ، فلا يتركونه في أي وقت ، حتى أنهم
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 499 . ( 2 ) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 404 .