السيد محمد حسين فضل الله
109
من وحي القرآن
ويؤكد اللَّه على أن الحكمة نعمة كبيرة يمنحها لمن يشاء من عباده ، لأنها تهدي الإنسان إلى التوازن الدقيق في الحياة ، فهي القيمة الكبيرة في شخصيته ، التي تفوق الجاه والمال والجمال ، لأنها هي التي توجه ذلك كله إلى الوجهة التي ينبغي أن تقف عندها الأشياء . وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً لأنها التي تفتح للإنسان أبواب الخير في الدنيا والآخرة ، فتصرفه عن طريق الخطأ وتقربه إلى طريق الصواب وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي العقول ، فإن اللَّه هو قلب كل شيء ومركزه ، ولذلك أطلق على العقل ، فلا بد للعاقل من أن يتذكر ذلك كله في ما يقرره ويستوحيه ، لأن العاقل هو الذي تنطلق الذكرى في حياته لتضيء له السبيل ، ولتربطه بالغاية ، وهي رضا اللَّه ومحبته . والتذكر هو حركة العقل في دراسة الأشياء التي تربط بين المقدمات ونتائجها ، أو بين الشيء ونتائجه ، ليحصل الإنسان على الفكرة الجديدة من خلال مفردات المعلومات التي يختزنها في وجدانه ، فتكون الذكرى لونا من ألوان اليقظة الوجدانية للوعي ، التي توحي له بشيء جديد ، وهذا هو المنهج الذي قرره القرآن الكريم في مسألة الإيمان التي هي حركة تذكر اللَّه في عبادته وطاعته من خلال التذكر لآلائه ونعمه وأسرار مقامه الربوبي وعلاقة الناس به . وقد جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام - في رواية سليمان بن خالد عنه - قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن قوله اللَّه : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً فقال : إن الحكمة المعرفة والتفقه في الدين ، فمن فقه منكم فهو حكيم ، وما أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من فقيه « 1 » . وجاء عن محمد بن يعقوب الكليني - مرفوعا - قال : قال
--> ( 1 ) م . س . ، م : 1 ، البحار ، ج : 1 ، ص : 215 ، باب : 6 ، رواية : 25 .