السيد محمد حسين فضل الله

86

من وحي القرآن

ويتحرك حيث يريد اللّه منه أن يتحرك . فإن الإنسان الذي لا يعيش حس التقوى في نفسه ، قد ينجرف أمام نوازع النفس الذاتية التي توحي بالعصبية والانتقام والتشفي والحقد ، وغير ذلك مما يجعل الإنسان يأخذ أكثر مما له من الحق أو يعطي أقل ما عليه من الحق . . . ثم حددت للمؤمنين الموقع الذي يحصلون عليه مع التقوى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ، فإن اللّه مع المتقين الذين يخشون ربهم بالغيب ويراقبونه في كل صغيرة أو كبيرة في السر والعلانية . الإنفاق في سبيل اللّه وحفظ النفس ثم انطلق القرآن في مجال آخر يتصل بأجواء القتال والجهاد في سبيل اللّه ، وهو الإنفاق في هذا السبيل ، فإن للجهاد تكاليفه ونفقاته المالية التي يحتاجها المقاتلون في ما يأكلون وما يركبون وما يتسلحون به ضد العدو ، فلا بد من الجهاد بالمال مع الجهاد بالنفس . وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي : أنفقوا من أموالكم في الجهاد وطريق الدين ، وكل ما أمر به من الخير وأبواب البر ، فهو سبيل اللّه ، لأن السبيل هو الطريق ، فسبيل اللّه هو الطريق إلى اللّه وإلى رحمته . وعقب ذلك بالنهي عن إلقاء الإنسان نفسه بالتهلكة وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أي : بأنفسكم . وجاء التعبير باليد ، باعتبار أنها مظهر القوة للذات . فكأن الإنسان عندما يلقي بنفسه إلى التهلكة يسقط قوته التي تتمظهر في يديه . وهذا التوجيه يتناول المجالات الفردية أو الجماعية التي يعرّض فيها نفسه للخطر ، من دون أن يكون هناك أيّ تكليف ملزم من اللّه بالتضحية والاستشهاد ، وذلك بأن يندفع الإنسان في المواقف التي لا يضمن فيها السلامة بنحو معقول على المستوى الفردي ، أو تندفع الجماعة في المواقف الصداميّة مع الأعداء ، من دون إعداد سابق للخطة الحكيمة التي تضمن تحقيق الأهداف الكبيرة ، فإن