السيد محمد حسين فضل الله

82

من وحي القرآن

تحديد حرية الكفر وتجميد دوره ، وذلك بإعطاء الإنسان الحرية في الوصول إلى القناعة من خلال الحوار الإيجابي المنفتح في نطاق خاص . فإذا تمرّد كان الحق للحياة الرسالية أن تعبر عن نفسها بفرض سلطتها على الواقع من أجل الإنسان . وقد نعرف ، من خلال دراسة الشروط الشرعية للجهاد ، أنه لا يهدف دوما إلى تغيير عقيدة الإنسان بالقوة ، بل نراه يحافظ على إبقاء الآخرين على عقيدتهم في ما يتصل بالديانات السماوية الأخرى إذا حافظوا على شروط العهد والذمة ، أو في ما يتصل بالفئات الأخرى غير المؤمنة - في بعض الحالات - في نطاق المعاهدات التي تقتضي مصلحة الإسلام إقامتها معهم . إن القضية هي أن لا تكون هناك فتنة ، وأن يكون الدين كله للّه ، بحيث تكون له الكلمة العليا في الأرض ، فلا تبقى هناك كلمة للكفر في موقع السيادة الشاملة . وتلك هي قضية كل فكر ودين يريد أن يجعل الحياة على صورته . فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ . فسّر الانتهاء في هذه الآية بإيمانهم بالإسلام والابتعاد عن خط الكفر ، فإنهم إذا أسلموا كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، وذلك في ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن ربي أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللّه ، فإن قالوها اعتصموا مني دماءهم وأموالهم » « 1 » . . وفي ضوء ذلك ، يعتبر القتال بعد الإسلام مخصوصا بالظالمين الذين يعتدون على الناس ويبغون عليهم بغير الحق . ويمكن أن تكون الآية واردة في اتجاه آخر ، وهو التأكيد على تحطيم قوة الكفر ، وتركيز سيادة الدين وقوّته من خلال القتال الذي يحقق هذا الهدف ، بالمستوى الذي لا يستطيع المشركون والكافرون معه الممارسة العدوانية على المسلمين ، وذلك إما بالإيمان بعد الكفر ، وإما بالمعاهدات التي تنظم قواعد السّلام القائم على احترام حرية المسلمين في دينهم وفي الدعوة إلى الدين .

--> ( 1 ) البحار ، م : 26 ، ج : 73 ، ص : 793 ، باب : 67 ، رواية : 30 .