السيد محمد حسين فضل الله

58

من وحي القرآن

الأوضاع الثورية التي قد تتفجر بها التطورات السياسية ، وفي ما ينحرف به السلوك في مجالات التطبيق الفردي والجماعي ، فإن على المسلم أن لا يندفع مع التيارات المتحركة في الساحة بعيدا عن حكم اللّه ، انطلاقا من الحالات الانفعالية في الثورة على الظلم والظالمين ، فإن تحطيم الظلم لا يمكن أن يحصل بظلم جديد آخر ، بل لا بد من أن ينطلق من موقع العدل المتمثل بالتشريع الإسلامي . وقد تعرضت الآية ، في حركة التطبيق العملي لهذا الخط ، إلى ما يتعارف بين الناس من بذل الأموال لحكام الجور على طريق الرشوة ، من أجل أن يحكموا لهم بالباطل في ما يتنازعون فيه من قضايا الأموال والحقوق ، وما يقدمونه ضد بعضهم البعض من دعاوى باطلة ، فإن الآية تشجب هذا السلوك وتنبّه الناس إلى أن لا يقدموا أموالهم إلى الحكام على سبيل الرشوة ، من أجل أن يأكلوا فريقا من أموال الناس بالطرق غير الشرعية التي لا يكسب الإنسان منها إلا الإثم والعذاب عند اللّه ، الذي يعلمونه حقا في ما أوحاه اللّه إلى أنبيائه ورسله . وفي الآية لفتة موحية إلى الحكام بطريق غير مباشر ، في أن يمتنعوا عن أخذ ذلك ، باعتبار ما فيه من تزييف للحق بالباطل ومن الحكم بالمال إلى غير مستحقه ، مما يؤدي بهم إلى عذاب اللّه من جهة وإلى ضمان المال من جهة أخرى . وقد وردت الأحاديث الكثيرة التي تفيد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال « لعن اللّه الراشي والمرتشي والماشي بينهما » « 1 » بالرشوة ، وفي بعضها أن الرشوة كفر باللّه العظيم ، وفي بعضها أنها شرك . وقد يكون من بين الموارد التي تشملها هذه الآية - ولو بالإيحاء - ما يتعارف عليه بعض الناس من توكيل بعض المحامين ، ليدافعوا عن الدعاوي

--> ( 1 ) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 436 ، باب : 3 ، رواية : 11 .