السيد محمد حسين فضل الله
43
من وحي القرآن
تؤتاه ، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك في ما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله . فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له » « 1 » . ففي هذه الفقرات من الوصية أن اللّه ينظر إلى قلب الداعي في حجم القضايا التي يحملها ويتطلع إليها في أعماقه ، مما قد لا يعبر اللفظ عنه ، لأن اللفظ قد لا يدلّ على الآفاق الواسعة التي ينفتح عليها القلب ، الأمر الذي يؤكد أن الدعاء في القلب قبل أن يكون في اللسان ، وبمقدار النية قبل أن تكون بمقدار المعنى المدلول عليه باللفظ ، فتكون الاستجابة على قدر النية . وفي هذه الوصية أن الاستجابة قد لا تكون في دائرة المطلوب لأنها لا تحقق مصلحة للداعي ، أو قد تسبب مفسدة له ، ولكن اللّه لا يهمل للداعي تطلعاته للخير من خلال ما اعتقده خيرا في دعائه ، بل يختار له في مبدأ الاستجابة ما هو الأفضل والأوسع والأغنى في الدنيا أو في الآخرة . وهذا هو سر الرحمة الإلهية في رعاية اللّه لعبده الذي يمنحه الخير من خلال دعائه وتضرعه إليه ، حتى لو كان الدعاء في اتجاه آخر ، لأن المسألة هي أن يستجيب له في انفتاح الخير على حياته لا في مفردات الدعاء بذاتها . فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي في كل نداءاتي ودعواتي وأوامري ونواهيّ . . . التي أردت لهم من خلالها الصلاح في دنياهم وأخراهم ، لتكون حياتهم متوازنة منفتحة على الخير في كل أوضاعهم ، ولتنطلق آخرتهم في خط الاستقامة المنفتح على اللّه . وَلْيُؤْمِنُوا بِي وبربوبيتي الشاملة ، وبتوحيدي في الألوهية والعبادة والطاعة ، لأن ذلك هو الذي يؤكد الصلة بين العبد وربه ، ليعيش الحضور الإلهي في عقله وروحه وحياته ، وليدرك معنى القرب الذي يوحي به اللّه إليه ،
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، كتاب / 31 .