السيد محمد حسين فضل الله

390

من وحي القرآن

إن إيتاء اللّه الملك لمن يشاء ، لا تعني رضى اللّه عن كل هؤلاء الذين يملكون زمام الأمور في الحياة ، فإن فيهم الكافرين والظالمين والمنحرفين ، بل قد تعني خضوع الحوادث في الكون لمشيئة اللّه التي قد تتعلق بالأشياء بطريقة مباشرة ، كما في الأمور التي يحدثها اللّه من خلال إرادته التكوينية المباشرة ، كما في خلقه للكون في ابتداء الخلق . وقد تتعلق بالأشياء بطريقة غير مباشرة ، وذلك من خلال القوانين العامة التي أودعها في حدوث الأشياء وحركة المجتمعات وسير التاريخ ، انطلاقا من حكمته النوعية في ما يصلح أمر الحياة ويبنيها على أساس متين . وقد جعل إرادة الإنسان ، فردا أو جماعة ، قانونا طبيعيا يحرك الحياة في اتجاه النمو والتطور والاستقامة والانحراف . وفي ضوء ذلك ، لا مانع من أن نلتزم بأن اللّه لا يرضى عن ملك كثير من الأشخاص في ما يمارسونه من أعمال الكفر والانحراف ، ولذلك نهاهم عنها أشد النهي ، ولكنه - في الوقت نفسه - ليس بعيدا عن سلطة اللّه وإرادته في الكون ، فإن من الممكن للّه أن ينزع ملكه قهرا بإرادته التكوينية ، ولكن حكمته اقتضت أن يملي للإنسان في ما يعيش وما يعمل ، ليقرر مصيره بإرادته واختياره . إن الآية تؤكد بأن الإخراج من الديار والأموال يشكّل عدوانا على الإنسان الفرد والمجتمع ، وذلك لو قام بها إنسان فرد أو جماعة ، وبذلك يعتبر مبررا للدخول في قتال ضد المعتدي ، بحيث يعتبر ذلك شرعيا عند اللّه . وهذا ما نستظهره من خلال التركيز على هذا المبرر ، مما يعطينا الفكرة الواضحة بتقرير النبي لهم على ذلك . ولا بد لنا ، في هذا المجال ، في أن نحدد الموضوع في نطاق الإيمان الذي يتعرض لعدوان الكفر ، كما حدث في المبررات التي سبقت الإذن للمسلمين بالقتال ، لأنهم الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحج : 40 ] .