السيد محمد حسين فضل الله

386

من وحي القرآن

كلمتهم ورأيهم وسلطتهم على الفئات المستضعفة في المجتمع - كما هو واقعهم آنذاك - ولهذا جاؤوا إلى نبيهم الذي أرسله اللّه إليهم - في سلسلة النبوات الرسالية - ليتحدثوا معه حول المستقبل الذي يتطلعون إليه في حركة القوة كأصحاب رسالة مفتوحة على قضايا الإنسان والحياة . فقد انطلقت التوراة في عهد موسى ، لتكون قاعدة للتشريع والحكمة والحركة والقوة ، مما يجعل القائمين عليها في موقع الامتياز الكبير على المستوى المادي والروحي . إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اختلف المفسرون في اسمه ، فقال بعضهم : إنه صموئيل وهو بالعربية إسماعيل ، وقيل شمعون ، وقيل يوشع وغير ذلك مما لا جدوى من الحديث فيه . ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السّلام - كما في المجمع - كان الملك في ذلك الزمان هو الذي يسير بالجنود ، والنبي يقيم له أمره ويثبته بالخير من عند ربه « 1 » . ولعل هذا ما دعاهم إلى طلب تعيين الملك ، لأن النبي لم يكن في هذا الموقع من الناحية الفعلية . وقد أعطوا حركتهم المبتغاة عنوان القتال في سبيل اللّه ، لأن هذا العنوان هو الذي يمنح الصراع قدسيته ويخرجه من ماديته إلى عنوان الروح ، وهو الذي يستثير النفوس ويحولها إلى طاقة عظيمة منفتحة على الإيمان باللّه ومنطلقة في سبيله ، فكأنها تؤدي واجبا دينيا في الحرب الدفاعية ، لا حاجة ذاتية في الواقع . إن الظاهر - في هذه المرحلة أو في ما قبلها من مراحل النبوة في بني إسرائيل - هو توزيع الأدوار ، بين النبوة والملك ، فللنبي دور التوجيه والتربية والدعوة إلى اللّه والإشراف على تعيين المراكز القيادية ، وللملك دور الحرب والقتال والممارسة العملية للقيادة . ولهذا لم يطلب هؤلاء القوم من نبيّهم أن يقودهم للقتال ، كما هو الحال في الإسلام عندما كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو الإمام هو الذي يقود الجيوش في المعارك الكبيرة ، بل طلبوا منه أن يعيّن لهم ملكا ،

--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 611 .