السيد محمد حسين فضل الله
38
من وحي القرآن
يهملها ويلجأ إلى الدعاء ، الأمر الذي يدل على أن الدعاء يمثل الوسيلة التي يلجأ إليها الإنسان حيث لا وسيلة لديه ، لأن اللّه لا يريد للإنسان أن يجعل من إيمانه بربه سبيلا للابتعاد عن سنن اللّه في الحياة ، التي جعلها أساسا للعلاقة بين الأسباب والمسببات في الواقع الإنساني في شؤونه وحاجاته وأوضاعه الاختيارية . . . وهذا ما يمثله معنى التوكل في توكل الإنسان على اللّه ، بعد استنفاد كافة الوسائل التي تحقق له غرضه ، فلا يسقط أمام حالة العجز بل يترك أمره إلى اللّه الرحمن الرحيم القادر على كل شيء والذي يحب عباده المتوكلين عليه . كما أن الحديث الثالث يؤكد أن التخلص من الأشرار يفرض القيام بمواجهتهم بالوسائل الموجودة ثم الدعاء ، لا إهمال الواقع الفاسد ثم الدعاء . ومع هذه الملاحظة ، فكيف يمكن أن يدّعى أحد أن الدعاء يجعل الإنسان غيبيا في حياته العملية ، حتى في موارد قدرته على الارتباط بعالم الحسّ ، ويعزله عن حركة النشاط الطبيعي في الواقع الذي يتحمل مسئوليته ؟ ثالث هذه الملاحظات : إن الدعاء يتنافى مع رضى الإنسان بقضاء اللّه وقدره ، لأنه لا يصبر على الواقع الذي يعيش في داخله مما قدّره اللّه له . وهذه شبهة لا معنى لها ، لأن الدعاء - كما ذكرنا - جزء من الوسائل التي أراد اللّه للإنسان أن يأخذها في استكمال نظام الحياة التي جعل اللّه فيها لكل شيء قدرا في عناصره المادية والمعنوية . وكما أن اللّه لا يريد للإنسان أن يصبر على البلاء الذي يقدر على دفعه عن نفسه بالوسائل المادية ، فإنه لا يريد له أن يبتعد عن الرجوع إليه بالأخذ بالوسائل الروحية ، ومنها الدعاء في دفعه ، مما يعني أنه يحقق إرادة اللّه في ذلك لأنه جعل قضاءه وقدره مربوطين بمسألة الدعاء سلبا أو إيجابا . وهذا هو الرد على من قال - في الاعتراض على الدعاء - : بأنه تدخل في شؤون اللّه ، واللّه يفعل ما يريد مما ينسجم مع مصالحنا ، فلما ذا نطلب منه