السيد محمد حسين فضل الله

33

من وحي القرآن

وتلبيهم في نداءاتهم ، وتستجيب لهم في مناجاتهم من دون وسيط أو شفيع ، بل هي الكلمات التي تنطلق من القلب لترتفع إلى السماء حيث المحبة والرحمة والعفو والمغفرة . إنها دعوة اللّه إلى عبده أن يستجيب له ، فيدعوه لأن في ذلك خلاصا له من كل سوء أو شدة ، وتحررا عن كل عبودية لغير اللّه عندما يشعر أن اللّه هو وليّ حاجته ، فمنه الفرج لكل شدة ، وبه الخلاص من كل سوء ، وهو - لا غيره - مالك الدنيا والآخرة ، ووليّ الحياة والموت ، وبيده مقاليد الأمور ، وذلك هو سبيله إلى الشعور بالأمن والطمأنينة والاستقرار ، حين يشعر بأن حاجاته الصعبة هي في دائرة رحمة القادر على قضائها والعالم بما يصلحه أو يفسده منها . . . وهي في الوقت نفسه دعوة إلى الإيمان به ، لأنه الحقيقة الواضحة التي لا يحتاج الإنسان في وعيها ، وفي الإيمان بها ، إلى مزيد من الفكر والتأمل والمعاناة ، بل يلتقي بها في كل شيء يعيش معه ، وفي كل ظاهرة من ظواهر الوجود . وفي الحالين معا ، في الدعاء عندما ينطلق ، وفي الإيمان عندما يتحرك الرشد - كل الرشد - في واقع الحياة وفي حركتها الصاعدة أبدا إلى اللّه . الدعاء عبادة والدعاء - بعد ذلك كله - عبادة تهزّ أعماق الإنسان بالشعور بوجود اللّه وحضوره في كل ملتقى للإنسان في ما يهمه من أمور الحياة ، وفي ما يثيره من شؤون الآخرة . وهي عبادة لا تفرض عليه كلماتها وأجواؤها من خارج ذاته ، من خلال تعليمات مفروضة ، بل هي مشاعره وأفكاره وحاجاته وآلامه وآماله وكلماته المنطلقة من ذاته في أسلوب عفوي محبب في جو حميم يفقد