السيد محمد حسين فضل الله

308

من وحي القرآن

الثاني ، وتعود العلاقة من جديد فَإِنْ طَلَّقَها للمرة الثالثة ، فَلا تَحِلُّ لَهُ بأية وسيلة من رجوع أو عقد جديد ، فقد حرمت عليه بالطلاق الثالث ، فلا مجال للعودة إليه حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ؛ وذلك بالعقد والدخول معا ، لما ورد في الحديث المأثور الذي يقول : « حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها » « 1 » وهو كناية عن الالتذاذ بالجماع وعدم الاكتفاء بالعقد . فَإِنْ طَلَّقَها من جديد ، أمكنه أن يرجع إليها تماما كما هو الحال في الطلاق الأول . فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ، ولعل في هذا التقييد إشارة بأن المؤمنين لا يحاولون إعادة التجربة على أساس مزاج شخصي أو شهوة طارئة ، بل ينطلقون في ذلك كله من موقع الدراسة الواعية للموقف ، والاستفادة من تلك التجارب السابقة الفاشلة ، والشعور بضرورة عدم تكرارها إلا إذا أيقنا بإمكانية النجاح في ذلك ، مما يجعل الظن غالبا في إقامتهما لحدود اللّه من جديد ، لأن اليقين بذلك لا يتحقق في حسابات المستقبل . . . وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ في الطلاق والرجوع يُبَيِّنُها ويوضحها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فيتحملون مسؤولية العلم فكرا وعملا في كل ما يريده اللّه منهم وما لا يريده . وفي هذا إشارة إلى أن أحكام اللّه ، في ما أحله أو حرمه ، هي الحدود التي يقف الإنسان عندها في حركته في الحياة ، لأن في تجاوزها خطرا على مصيره في الدنيا والآخرة ، لما في ذلك من الوقوع في المفاسد ، ومن خسران المصالح في الدنيا ، باعتبار ارتكاز التشريع عليها في الجانب الإيجابي أو السلبي ، ولما فيه من التعرض لغضب اللّه الذي يؤدي إلى عقابه في الآخرة . فلا حرية للإنسان في معنى عبوديته لربه أن ينطلق في حياته تبعا لهواه ، وانفعالا بمزاجه الذاتي ، وذلك هو قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً [ الأحزاب : 36 ] .

--> ( 1 ) البحار ، م : 37 ، ج : 101 ، ص : 360 ، باب : 112 ، روآية : 66 .