السيد محمد حسين فضل الله
261
من وحي القرآن
بالعفائف . . . ولكن جو الآية - في ما نفهم - بعيد عن ذلك كله ، واللّه العالم بأسرار آياته . . إن المنهج القرآني التربوي يؤكد دائما على صلة الإنسان باللّه ، حتى لا تكون له صلة بأحد أكثر من صلته بربه . لأن اللّه هو الذي خلقه ورزقه ورعاه في حياته ، ويرعاه بعد موته ليمنحه رضوانه وليدخله في نعيم جنته ؛ ولأن الإنسان لا يمكن أن يستغني عن ربه في أية لحظة من عمره وفي أية مرحلة من مراحل حياته ، مما يفرض عليه أن يستجيب له ، ويخضع له ، ويطيعه ويذوب في حبه وفي ربوبيته ، فذلك هو سبيل سعادته . ومن هنا أراد اللّه للإنسان ، في هذه الآية المشتملة على بعض أوامره ونواهيه ، أن يقدم لنفسه عملا يرفعه إلى المقامات العليا من رضوانه ، وأن يلتزم خط التقوى الذي يمثل شمول الإسلام في مفاهيمه وأحكامه المنفتحة على وحي اللّه . فإن خير الزاد الذي يحمله الإنسان بين يديه ، ويقدمه لآخرته هو التقوى التي يلتزمها أولو الألباب الذين يعرفون ، بوعي الوجدان الفطري العقلي ، أن الخوف من اللّه هو الذي يمنح الإنسان الانضباط في خطواته ، لأنه ليس الخوف الذي يسحق الإنسان في ذاته ، بل هو الذي يرتفع بإنسانيته إلى السماوات العلى التي تحلّق آفاقها في رحاب الروح . فإن الإنسان يولد من جديد ، عندما يذوب في اللّه ويغيب في أعماق الخوف - الحب ، لا الخوف - الخوف . وهذا هو الفرق بين الخوف من الناس والخوف من اللّه ، فإن الأول يوحي للإنسان بالضعف والجفاف ، ولكنه في الثاني يوحي له بالقوة والحيوية والعنفوان . ثم أراد له أن يذكّر نفسه دائما بأنه سيلاقي اللّه ، وسيقدم حسابه بين يديه مما أسلفه من أعماله وأقواله في الدنيا ، ليعمق مثل هذا الإيمان الداخلي العميق بلقاء اللّه الذي يملك الأمر كله : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : 19 ] حيث ينادي المنادي : يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ