السيد محمد حسين فضل الله

26

من وحي القرآن

فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ربما كان المقصود منه التطوع بالزيادة على الفدية ، بأن يعطي الزيادة على ما وجب عليه ، كما ورد في بعض الأحاديث أن الأفضل مدان من الطعام . وفسرها صاحب الميزان بإيتاء الصوم عن رضى ورغبة « 1 » ، لأن كلمة التطوع تعني الاختيار في مقابل الإلزام لتدلّ على الاستحباب ، بل تدلّ على الطوع في مقابل الكره ؛ وذلك بأن يأتي الإنسان به عن رغبة ورضى وقناعة . ولكن هذا خلاف الظاهر لظهور كلمة التطوع في الفعل الذي يأتي به الإنسان من دون إلزام باعتبار أن الإلزام يوحي بالضغط والكره ، بينما الاستحباب لا يوحي إلا بالتوسعة والتخفيف . وأما ما ذكره من أن استعمال الكلمة في الفعل المستحب اصطلاح جديد فهو غير دقيق ، لأن القضية ليست قضية استعمال الكلمة في المعنى ، بل استيحاء المعنى من معنى الكلمة في ما يفهم من مدلوله الواجب والمستحب . وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الظاهر منها - بقرينة السياق - هو أنها خطاب للذين يجهدهم القضاء ، فتباح لهم الفدية لإعلامهم بأن الفدية ، وإن كانت جائزة ، إلا أن الصوم خير لهم إن كانوا يعلمون لما فيه من النتائج الروحية والعملية وهناك احتمال بأن الفقرة واردة في الحديث عن الصوم ، بأنه خير للناس في ذاته بحسب فلسفة الصوم في تشريعه من حيث المنافع الكثيرة العائدة إلى الناس ، وقد جرى أسلوب القرآن على الإتيان بهذه الفقرة بعد كل تشريع ، لما ورد في قوله سبحانه بعد ذكر وجوب صلاة الجمعة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ الجمعة : 9 ] وقوله تعالى : وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ العنكبوت : 16 ] . وبهذا يبطل قول من قال : إن الصوم كان في بداية التشريع واجبا

--> ( 1 ) انظر : تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 13 .