السيد محمد حسين فضل الله

230

من وحي القرآن

اللّه ، ما دامت القضية ترتكز على حل مشكلة الفقير من خلال التكافل الاجتماعي من جهة ، وعلى تربية المؤمن على روح العطاء من جهة أخرى . ولذلك اكتفى بكلمة الْعَفْوَ التي تعني الفضل . قُلِ الْعَفْوَ . وقد اختلف المفسرون في تطبيق هذه الكلمة على الواقع العملي ، فقال بعضهم : إنه ما فضل عن الأهل والعيال ، أو الفضل عن الغنى . وقال بعضهم : إنه الوسط من غير إسراف ولا إقتار ، وهو المروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام . وقال بعضهم : إنه ما فضل عن قوت السنة « 1 » ، وهو المروي عن الإمام محمد الباقر صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد تلتقي هذه المعاني حول معنى واحد ، وهو أن لا يترك تأثيره على حاجاته الأساسية مما يتصل بمسؤولياته عن نفسه وعياله على النحو المتعارف . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على حقائق الأشياء مما يتعلق بالتشريع في مسئولياتكم العامة والخاصة ، فتتعرفون حكمة اللّه في تشريعاته في أقوالكم وأفعالكم ، ليظهر لكم كيف يريد صلاحكم . كما يبين لكم الآيات المنتشرة في الكون في كل مخلوقاته الجامدة والنامية والحية التي تكشف لكم عن عظمة الإبداع وسر الخلقة ، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ وتهتدون بالفكر المتحرك الباحث عن كل حقيقة في الأرض وفي السماء وفي الحياة والإنسان ، فتحصلون على الثقافة العلمية التي تنمّي مدارككم وفهمكم وانفتاحكم على حقائق العقيدة والإيمان ، فِي الدُّنْيا ليتعرفوا كيف هي الدنيا في نطاق مسئولياتكم من حيث هي دار ممر لا دار مقر ، وساحة عمل لا ساحة لهو وعبث ، ومزرعة للآخرة لا غاية في ذاتها ، لتتحركوا فيها في ما تفعلون وتتركون في هذا الاتجاه لتحقيق تلك الغاية . وَالْآخِرَةِ التي هي دار الحيوان والخلود ، فسعادتها هي السعادة وشقاؤها هو الشقاء ، فلا بد لكم من الاستعداد لها لتواجهوا نتائج المسؤولية بين يدي اللّه .

--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 558 .