السيد محمد حسين فضل الله
219
من وحي القرآن
يمارس قيادة السيارة أو غيرها ، أو يحمل السلاح ، أو يعيش في بيته مع أطفاله ، ليتجنّب المجتمع من نزوات السكّير وانحرافاته ، كما تفعله مع الذين يفقدون عقلهم نهائيا ، في مدة قليلة أو كثيرة . هذا في الخمر . وأمّا القمار ، فقد نجد فيه - إلى جانب ما ذكرته الآية السابقة - انحرافا اجتماعيا خطيرا ، عندما يتحول الإنسان إلى كسب قوته من طريق القمار تاركا العمل وراء ظهره ، مما يفقد المجتمع معه طاقة كبيرة أو صغيرة نافعة ، ويؤدي - بالتالي - إلى تدمير حياة المقامر وحياة أسرته ، لأنها لا ترتكز على أساس متين لاعتمادها على « الشطارة الذهنية » للمقامر أو على غباء ملاعبه . وهكذا تنتهي عملية التوازن بين الربح والخسارة إلى انخفاض نسبة الربح بشكل كبير جدا ، بإزاء ارتفاع نسبة الخسارة بشكل مماثل أو أكبر ، ليضع القرآن الناس أمام الحقيقة الكبيرة التي غفلوا عنها ، تماما كما يفعل الذين يتذوقون حلاوة السم ، فينشغلون بلذّة الحلاوة عما في السم من خطر مميت على الحياة . ثم يوحي - من خلال ذلك - إليهم ، بأن التشريع ، في ما يخطط من تحريم وتحليل ، لا ينطلق من نقطة العبث والالتذاذ بتقييد حرية الآخرين ، بل تبدأ انطلاقته وتنتهي في حدود مصلحة الإنسان الخاصة والعامة . فلا تحريم إلا عندما تكون المفسدة أقوى من المصلحة ، ولا تحليل إلا عندما تكون القضية على العكس ، سواء في ذلك ما اعتاده الناس وما لم يعتادوه ، لأن الحرية في التشريع الإلهي ليست مزاجية تخضع لانفعالات المزاج في حالات اللذة والألم ، بل هي واقعية أساسية تخضع للمصالح والمفاسد الحيوية للإنسان في حركة الحياة وقاعدتها الرئيسية . وعلى ضوء ذلك ، فإن القرآن لم يزد شيئا على تقرير هذه الحقيقة الواقعية في الخمر والميسر ، فلم يقل لهم ما يجب عليهم أن يفعلوه بل ترك الأمر للإحساس الفكري الصافي ببداهة النتيجة التشريعية التي تلتقي بالحكم