السيد محمد حسين فضل الله
192
من وحي القرآن
مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] ، تبين الآية أن للمؤمن في الدنيا حياة ونورا في أفعاله وليس للكافر ، ومثله قوله تعالى : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى [ طه : 124 - 125 ] . حيث يبين أن معيشة الكافر وحياته في الدنيا ضنك ضيقة متعبة ، وبالمقابل معيشة المؤمن وحياته سعيدة رحبة وسيعة . وقد جمع الجميع ودلّ على سبب هذه السعادة والشقاوة قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [ محمد : 11 ] فظهر مما قربناه أن المراد بالأعمال مطلق الأفعال التي يريد الإنسان بها سعادة الحياة ، لا خصوص الأعمال العبادية والأفعال القربية ، التي عملها المرتد وأتى بها حال الإيمان ؛ مضافا إلى أن الحبط وارد في مورد الذين لا عمل عبادي ولا فعل قربي لهم ، كالكفار والمنافقين ، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ [ محمد : 7 - 9 ] ، وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ [ آل عمران : 21 - 22 ] إلى غير ذلك من الآيات . فمحصل الآية - كسائر آيات الحبط - هو أن الكفر والارتداد يوجب بطلان العمل عن أن يؤثر في سعادة الحياة ، كما أن الإيمان يوجب حياة في الأعمال تؤثر بها أثرها في السعادة ، فإن آمن الإنسان بعد الكفر ، حييت أعماله في تأثير السعادة بعد كونها محبطة باطلة ، وإن ارتد بعد الإيمان ماتت أعماله جميعا وحبطت ، فلا تأثير لها في سعادة دنيوية ولا أخروية ، لكن يرجى له ذلك إن هو لم يمت على الرّدّة وإن مات على الرّدّة ختم له الحبط وكتب