السيد محمد حسين فضل الله

179

من وحي القرآن

الصعبة الضاغطة على إرادتهم وحيلتهم ، لئلا يشعروا بالحرج في البداية بالتكليف في القتال ، وبذلك يستطيعون أن يتعمّقوا أكثر في إيمانهم ، ويسيروا في مدارج النمو في العقيدة والعمل بأسلوب واقعي متحرك يوحي لهم بالامتداد والحركة في جوّ من الفكر الهادىء والخطوات الهادئة الواقعية . وهكذا استطاع الإسلام أن يركز قواعده بخلق جيل من الدعاة الذين عاشوا المعاناة بأعمق معانيها وأرحب مجالاتها وأشد ظروفها ، فانطلقوا مع النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى المدينة ، ليركزوا قواعد المجتمع الإسلامي الجديد . وبدأت المرحلة الجديدة للإسلام في عملية التقدم إلى الأمام من خلال صنع القوة الذاتية التي تواجه التحدي بمثله ، وتخترق الحواجز الموضوعة أمامها في الطريق من أجل أن تمنعها من التقدم . وكان القتال شريعة هذه المرحلة . وبدأت الصعوبات النفسية تقف أمام هذه الشريعة في نفوس بعض المسلمين الذين استراحوا - أو هكذا توحي الآية - للدعوة المسالمة التي تتلقى الضربات دون أن ترد عليها ، فإن الجهد الذي كانوا يلاقونه من خلال الاضطهاد لم يكن ليعرضهم للخطر الكبير الذي يتعرضون له من خلال القتال ، بل كل ما هناك أنه يثير فيهم حالات نفسية صعبة ضاغطة كانوا يتحملونها بصبر وإيمان ، مع الاحتفاظ بخط السلامة الوديع في الحياة . وقد يبدو أنهم تأففوا من هذه الفريضة الصعبة ، أو اعترضوا ، أو حاولوا التخلص منها ، كما توحيه كلمة كما وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ، لأنه كان يعني السير إلى الموت باختيار ، كما يعني الاستمرار فيه مدى استمرار التحديات الكافرة المشركة . وكانت طريقة الإسلام أن يدفع المسلمين إلى الممارسة العملية من خلال القناعة الفكرية والاستجابة الروحية ، بالإضافة إلى الاستسلام الإيماني الذي تفرضه العقيدة الإسلامية المرتكزة على التسليم للّه في كل الأمور ، فكانت هذه الآية من أجل تقرير الحقيقة الواقعية في ما يحبه الإنسان مما لا يكون فيه كبير مصلحة له ، أو في ما يكرهه الإنسان مما لا يكون فيه أية مضرة له ، الأمر