السيد محمد حسين فضل الله

143

من وحي القرآن

الوصول إلى الحق التي قد تتنوع تبعا لتنوع الثقافة أو النظرة إلى الأمور ، بل كان اختلافهم نتيجة البغي والحقد والعداوة في ما بينهم كنتيجة طبيعية للعلاقات المتأزمة الخاضعة لأسباب غير شرعية . وهكذا امتد هؤلاء في خلافاتهم حتى حولوا الساحة البشرية إلى قاعدة للتنازع والتجاذب والخصام . أما المؤمنون ، فلم يستسلموا للخلافات ولم يركنوا إليها ، بل عملوا بكل ما لديهم من جهد وقوة على اكتشاف الحق من خلال علاماته التي هداهم اللّه إليها في ما أنزله من الحق والهدى ، فساروا في طريقه ، واستسلموا له ، وتركوا كل فئات البغي والفساد تتخبط في ضلالها ، بعد ما حاولوا القضاء عليها فلم يتمكنوا من ذلك ، فأقبلوا على ما هم فيه مما أوكله اللّه لهم من شؤون المسؤولية في طاعته في ما يتعلق بقضاياهم وقضايا الناس ، وذلك هو شأن اللّه في هدايته للناس لمن يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم ، فإنه يهيّئ لهم كل وسائل الهداية من داخل أنفسهم ومن خارجها ليختاروا السير معها من موقع قناعتهم القائمة على الوعي والإيمان والإرادة . وهكذا كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً أي على ملة واحدة ، أو جماعة واحدة مرتبطة بالفطرة التي لا تنطلق في خط التفاصيل الفكرية المنفتحة على المنهج العملي في الخط الواحد ، بل كانت تتحرك من خلال العفوية الطبيعية في حركة الفعل ورد الفعل ، فلم يكونوا مهتدين أو ضالين في مصطلح الهدى والضلال في الرسالات ، لأنهم لم يكونوا قد التقوا بها ؛ فلم تكن هناك نبوّات تحمل كتبا سماوية لأن آدم عليه السّلام لم يكن صاحب رسالة تفصيلية في نبوّته ، لكنهم كانوا ضلالا بالمعنى السلبي ، بمعنى فقدانهم للهداية الرسالية التفصيلية التي تنظم لهم القواعد والمفاهيم والشرائع والمناهج ، وتخطط لهم الوسائل والأهداف ، على طريقة قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ الضحى : 7 ] فإن المراد من الضلالة هو عدم الاهتداء لفقدان الهدى الرسالي في التفاصيل ، لا الضلال بالمعنى الإيجابي المضاد ، لأن النبي محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن ضالا بهذا المعنى ،