السيد محمد حسين فضل الله

138

من وحي القرآن

الفوقية الزائفة والفوقية الحقيقية في موقف المؤمنين والكافرين في هذه الحياة ظاهرة بارزة ، وهي طغيان الكافرين واستسلامهم للحياة الدنيا بما زيّن لهم من شهواتها ورغباتها وطيباتها ، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا بالمستوى الذي يشعرون معه أنهم يملكون الأمر كله فيها ، وبذلك تمتلئ قلوبهم بالكبر والشعور بالفوقية تجاه غيرهم من الذين يعيشونه الحياة من خلال قيمها ومبادئها وارتباطها باللّه . . . وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ويتحول هذا الشعور إلى سخرية من المؤمنين في ما يفعلون وما يقولون وما يواجهونه من تضحيات لحساب إيمانهم ، وفي ما يقدمونه من جهد كبير في سبيل اللّه لا يريدون به جزاء ولا شكورا ، فيخيل إليهم أن ذلك كله مظهر سذاجة وغفلة ، لأنهم لا يفهمون معنى التضحية في سبيل اللّه ، لأنهم لا يعرفون معنى ثواب اللّه . وربما يحدث من خلال ذلك حالة ضعف نفسية لدى المؤمنين لما يواجهونه من واقع الفوقية والدونية بين الكافرين وبينهم ؛ فيوحي اللّه إليهم أن قضية الدونية والفوقية ليست شيئا مهما في ما تمثله قيم الحياة ، لأنّ ذلك عرض زائل لا بقاء له ، فلا يوجب ارتفاع الإنسان فيه رفعة حقيقية ، ولا اتضاعه ضعة حقيقية ، بل المهم كله هو الرفعة في الدار الآخرة التي يمنحها اللّه للمؤمنين ، لأنها من اللّه ، وما كان منه ، فهو الخير كله والمجد كله . وعلى هذا الأساس ، وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فإن اللّه عندما يجعل المؤمنين فوق الكافرين يوم القيامة ، فإنه يجعل لهم كل القيمة الكبرى التي يرتفعون بها إلى أعلى الدرجات ، فلا يضعف المؤمنون ولا يستسلمون للشعور أمام الاضطهاد ،