السيد محمد حسين فضل الله
135
من وحي القرآن
وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فإن كل هذه المفاهيم توحي بالهول ، بما يثيره التأكيد على عزة اللّه واستبدال إتيان إرادة اللّه بإتيانه بالذات ، مما يعمق الشعور بعظمة الموقف ودقته . وهذا من الأساليب المتعارفة في القرآن في كل ما يستعمله من أساليب حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه في موضعه ، كما في قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] وقوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] فكأن القرية بكل أحجارها وأشخاصها ومعالمها تعيش الحقيقة المتمثلة فيها ، حتى كأنه في مواقع السؤال تماما كأي مظهر عاقل من مظاهر الكون ، وكأن القيامة تلتقي باللّه والملك الذين يقفون صفوفا بين يديه . فإن هذا الإيحاء بحضور اللّه بنفسه يوحي بالهول فوق الهول والرهبة فوق الرهبة ، بما لا يمكن أن يستوحيه الإنسان من خلال تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية بالأسلوب العادي البسيط . وإذا حدث مثل هذا الإحساس العميق بالرعب في نفسه ، كان الانضباط العملي منسجما مع المستقبل الحيّ الذي يريده اللّه للإنسان بعيدا عن كل انحراف والتواء وتمرّد . وقد تشير الآية إلى سنّة من سنن اللّه التاريخية في المجتمعات والأمم التي تعيش التمزق الداخلي ، والتمرّد العملي ، والانحراف عن خط اللّه ، فإن اللّه - بمقتضى سنته في عباده - ينزل العذاب عليهم ، مما يعني أن هؤلاء القوم الذين يريدون تمزيق الأمة ، ويرفضون الدخول في السلم ، سوف يصيبهم العذاب كما أصاب الآخرين . وقد ذكر بعض المفسرين أن الاستفهام هنا إنكاري ، فإن الآية تخاطب الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتقول معقبة على الآيات السابقة : أليست كل هذه الدلائل والآيات والأحكام الواضحة كافية لصدّ الإنسان عن الانزلاق وإنقاذه من براثن عدوه المبين « الشيطان » ؟ . هل ينتظرون أن يأتي اللّه إليهم مع الملائكة في وسط غمام ذي ظل ليطرح عليهم دلائل أوضح ، أو ليواجهوا الغيب في رؤية حسّية تمنحهم وضوح