السيد محمد حسين فضل الله

127

من وحي القرآن

يبتعد عن الاستغراق في ذاته ، باستغراقه بالخضوع لربه . وهذا ما يؤدي إلى السّلام مع نفسه ومع ربه ومع الناس ومع الطبيعة والحياة كلها . وبذلك اختلف مفهومهم لكلمة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، لأنّ التفسير الأوّل لكلمة السلم يخلق مشكلة بيانية ؛ فإذا كانوا مؤمنين ، فكيف يطلب منهم أن يدخلوا في الإسلام ؟ ! فحاول بعضهم أن يفسر الَّذِينَ آمَنُوا ، بمن آمن قولا لا عقيدة وهم المنافقون ، وبذلك تكون الدعوة في الآية إلى الالتزام العملي بالإسلام والإيمان به . وذكر الطبرسي في تفسيره أن المراد به : دوموا في ما دخلتم فيه كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ « 1 » [ النساء : 136 ] . وحاول البعض أن يفسره بأهل الكتاب ، فتكون دعوة إلى دخولهم في الإسلام . ولكننا لا نجد في جو الآية ما يوحي بأي من المعنيين ، بل ربما نلاحظ في استعراضنا للآيات التي استعملت فيها كلمة السلم أن الأقرب إلى الجو هو المعنى الثاني . كما نلاحظ على التفسيرين لكلمة الَّذِينَ آمَنُوا ، أن الظاهر من الآية الكريمة : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] هو إرادة الإيمان الذي يطابق فيه القول الفعل ، فكيف نحمل الكلمة على خلاف ذلك ؟ أما حملها على أهل الكتاب ، فيتنافى مع المصطلح القرآني الذي جعل كلمة الَّذِينَ آمَنُوا مقابلة لأهل الكتاب والمشركين ، كما توحي به الآية الكريمة : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى [ الحج : 17 ] وفي ضوء ذلك ، لا نجد هناك وجها يبرر إرادة معنى الإسلام من كلمة السِّلْمِ ، مما يعني عودة المشكلة البيانية من جديد ، كما أن حمل كلمة الدخول على الدوام في ما دخلتم فيه خلاف الظاهر من دون قرينة .

--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 536 .