السيد محمد حسين فضل الله
113
من وحي القرآن
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ، الظاهر أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق من ذي الحجة ، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر منه ، وهي التي فرض فيها المبيت في منى ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، بأن ينفر في اليوم الثاني عشر ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، كما لا مانع من البقاء إلى اليوم الثالث عشر . وليس في الآية ما يدل على شرط البقاء أو شرط التخيير ، أما كلمة لِمَنِ اتَّقى فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السّلام في هذه الآية : قال : « يرجع مغفورا له لا ذنب له » « 1 » ، وفي حديث آخر عن الباقر عليه السّلام : لِمَنِ اتَّقى منهم الصيد ، واتقى الرفث والفسوق والجدال وما حرّم اللّه عليه في إحرامه » « 2 » ، وبذلك يكون هذا التخصيص بمن اتقى بلحاظ حالة المغفرة المستفادة من سياق الكلام . وَاتَّقُوا اللَّهَ وعادت الآية من جديد للدعوة إلى التقوى بقول مطلق في جميع أعمال الإنسان في حال الحج وغيره ، والتأكيد على ذلك بالإعلام بالحقيقة الإيمانية ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . فإن الخلق كلهم يحشرون إلى اللّه ، ليواجهوا جزاء أعمالهم من خير أو شر . فإن استثارة هذه الحقيقة في وعي الإنسان يعتبر عاملا كبيرا في تنمية روح التقوى في نفسه وحياته . ولعلّ البقاء في منى هذه الأيام أو الليالي بعد انتهاء أعمال الحج يعتبر انطلاقة روحية تأملية ، يعيش فيها الإنسان حضور اللّه في نفسه بما يثيره من ذكر ، وبما يهجس فيه من فكر ، وبما يعيشه من تأملات ، وذلك في عملية مراجعة لحسابات أعماله في الماضي والحاضر في طريق تنمية أعمال
--> ( 1 ) البحار ، م : 35 ، ج : 96 ، ص : 455 ، باب : 55 ، رواية : 4 . ( 2 ) م . ن . ، م : 35 ، ج : 96 ، ص : 455 ، باب : 55 ، رواية : 3 .