السيد محمد حسين فضل الله
103
من وحي القرآن
هذا تحديد للمكلف الذي يجب عليه حج التمتع بالنائي عن مكة ، وقد كنى عنه ب لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وقدّر في السنة الشريفة بمن كان بينه وبين المسجد الحرام أكثر من اثني عشر ميلا . ويقول صاحب الميزان في استيحاء ذلك : « وفيه إيماء إلى حكمة التشريع وهو التخفيف والتسهيل ، فإن المسافر من البلاد النائية للحج - وهو عمل لا يخلو من الكد ومقاساة التعب ووعثاء الطريق - لا يخلو عن الحاجة إلى السكن والراحة . والإنسان إنما يسكن ويستريح عند أهله ، وليس للنائي أهل عند المسجد الحرام ، فبدّله اللّه سبحانه من التمتع بالعمرة إلى الحج والإهلال بالحج من المسجد الحرام ، من غير أن يسير ثانيا إلى الميقات » « 1 » . وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يذكر صاحب الميزان في التعليق على هذه الفقرة من الآية أن « التشديد البالغ في هذا التذليل ، مع أن صدر الكلام لم يشتمل على أزيد من تشريع حكم في الحج ينبئ عن أن المخاطبين كان المترقب من حالهم إنكار الحكم أو التوقف في قبوله ، وكذلك كان الأمر ، فإن الحج خاصة من بين الأحكام المشرّعة في الدين كان موجودا بينهم من عصر إبراهيم الخليل ، معروفا عندهم ، معمولا به فيهم ، قد أنسته نفوسهم وألفته قلوبهم ، وقد أمضاه الإسلام على ما كان تقريبا إلى آخر عهد النبي ، فلم يكن تغيير وضعه أمرا هيّنا سهل القبول عندهم ، ولذلك قابلوه بالإنكار . وكان ذلك غير واقع في نفوس كثير منهم على ما يظهر من الروايات ، ولذلك اضطر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى أن يخطبهم ، فبيّن لهم أن الحكم للّه يحكم ما يشاء ، وأنه حكم عام لا يستثني فيه أحد من نبي أو أمة ، فهذا هو الموجب للتشديد الذي في آخر الآية بالأمر بالتقوى والتحذير من عقاب اللّه سبحانه » « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 79 . ( 2 ) م . ن . ، ج : 2 ، ص : 79 .