السيد محمد حسين فضل الله
100
من وحي القرآن
تلتقي بالصلاة في أجواء الطواف والسعي ، والوقوف بعرفات والمزدلفة ، والمبيت بمنى ، حيث يعيش الإنسان أعمق حالات التأمل وأصفى مشاعره ، وأرفع درجاته . أما الإحرام ، فإنه يمثل الالتقاء بالصوم حيث يفرض على الإنسان الالتزام الطوعي الاختياري بكثير من الأشياء التي تتصل بشهواته وعاداته وأخلاقه ، فتمثل مرحلة تدريبية صعبة يتعلم فيها الصبر والخشونة واحترام مشاعر الآخرين ، واحترام كل شيء محترم حوله حتى الحيوان والنبات . إلى جانب دقّة الملاحظة عندما يراقب كل حركة من حركاته حتى سقوط الشعر وحكّ البدن والنظر في المرآة . أما رمي الجمار ، فإنه يمثل الرمز العملي للصراع مع الشيطان ، في ما تمثله الجمرات من رمز . وهكذا يتحرك الإنسان من عمل إلى عمل ليحقق لنفسه البناء الروحي والفكري والعملي في أجواء العبادة التي يعيش في داخلها اللقاء باللّه . وبذلك لا تشارك العبادة في عزل الإنسان عن الحياة ، بل هي - على العكس من ذلك - تدفعه دفعا إليها بكل قوة من موقع الروحية التي تعطي المادة معناها دون أن تفقدها صفاتها المادية . وقد لا يكتفي الإسلام في تحقيق معنى العبادة بما افترضه وشرعه من أشكالها ، بل يمتد بها حتى يجعل كل عمل محبوب للّه عبادة إذا قام به الإنسان لوجه اللّه . وقد كثرت الأحاديث التي ترى في طلب العلم ، وفي العمل في سبيل العيال ، وفي العفاف وقضاء حاجة المؤمن ، وتفريج كربته ، عبادة يكسب الإنسان بها رضى اللّه كأي عبادة من العبادات المعروفة . وفي ضوء ذلك كله ، نجد في كلمة : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ إيحاء بالإتمام من الناحية الروحية التي يعيش الإنسان فيها أجواء الحج ، بالمستوى الذي يرتفع فيه إلى الآفاق العالية التي تمثلها هذه الفريضة ، ويتحرك معها بأخلاقية إسلامية كاملة ، فلا يكتفي بالشكل ويبتعد عن المضمون ، لأنه يمثل - في هذه الحالة - الإتمام الشكلي إلى جانب النقص الواقعي المضموني ،