السيد محمد حسين فضل الله
74
من وحي القرآن
جاء في مجمع البيان : « الوسط : العدل ، وقيل : الخير ومعناهما واحد ، لأن العدل خير والخير عدل ، وقيل : أخذ من المكان الذي يعدل المسافة منه إلى أطرافه ، وقيل : بل أخذ من التوسط بين المقصر والغالي فالحق معه ، قال مؤرّج : أي وسطا بين الناس وبين أنبيائهم ، قال زهير : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم قال صاحب العين : الوسط من كل شيء أعدله وأفضله . . . » « 1 » . وقد جرى بعض المفسرين في تفسير هذه الآية مجرى التفسير اللغوي البحت ، فأخذوا منه معنى العدل والتوازن على أساس ما تمثله الشريعة الإسلامية من الوسطية بين الاتجاه الروحي المتطرف الذي يمثله النصارى ، وبين الاتجاه المادي المتطرف الذي يمثله المشركون واليهود ، لأن الإسلام يأخذ من الروح جانبا ومن المادة جانبا ، لتكون الحياة - كما خلقها اللّه - نتيجة التزاوج بين الروح والمادة ، وتتمثل في التوازن بين الاتجاه الجماعي المتطرف الذي يلغي دور الفرد ، والاتجاه الفردي المطلق الذي يلغي دور المجتمع في الحياة ، فأعطى للفرد دوره في ما يحقق ذاته من دون أن يغمط « 2 » حق الجماعة في نطاق قضاياها العامة ، وأعطى للجماعة دورها في ما لا يلغي للفرد نوازعه الذاتية الطبيعية . ويمتد الخط الوسطي إلى التوازن بين الدنيا والآخرة ، فللمسلم أن يقبل على الدنيا ويستمتع بطيباتها من دون أن يسيء إلى خط الآخرة في السير مع شريعة اللّه في ما يفعل وفي ما يترك ، وله أن يستغرق في الآخرة بما لا يمنعه من بناء الحياة والاندفاع معها على الأسس التي يريدها اللّه . . ويمضي الكثيرون في استيحاء الكلمة من خلال ما في الإسلام من توازن
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 414 . ( 2 ) غمط الحق : جحده .