السيد محمد حسين فضل الله

68

من وحي القرآن

الناس من أهل الكتاب إزاء هذا التشريع الجديد ، مما يدفعهم إلى أن يطرحوا مثل هذا التساؤل في مرارة وإنكار . . . وفي ذلك إيحاء بانخفاض المستوى الثقافي الذي يمكنهم من خلاله مواجهة الأمور التشريعية من جانبها الفكري على أساس الركائز الثابتة التي تقدم عليها قضايا التشريع . وقد صاغت الآية الفكرة المضادة بصيغة التساؤل الذي يشوبه الاعتراض والإنكار ، كأسلوب من أساليب إثارة الجو ضد التشريع بشكل بريء ، فهي لا تطرح الفكرة بصورة الرفض المطلق لتوحي للآخرين بالموقف المضاد الذي تستثيره حالة المعارضة ، بل تطرحها بصورة السؤال لتستطيع إثارة الشك والبلبلة في أذهان المسلمين ، تماما كأية قضية من القضايا التي يدور فيها الجدل من أجل الوصول إلى نتيجة حاسمة ، في أسلوب إيحائي بإخراج الموضوع من جوّ القداسة التي تفرض الالتزام والتسليم المطلق . وهذا ما نواجهه في كثير من الأساليب التي يستعملها الأعداء ضد الأحكام الشرعية من أجل وضعها في مواقع الشك والريب ، وذلك بإثارة الجوانب السطحية التي تبتعد بالإنسان عن التعمق في خلفيات التشريع البعيدة المدى ، ليكون ذلك بداية للانفتاح على حالات الشك التي تبعد المسلم تدريجيا عن روحية التسليم المطلق للّه . . . وقد لا يظهر الجانب السلبي في هذا العرض الاستفهامي ، باعتبار أن الإسلام لم يتنكر للشك كأساس للوصول إلى الحقيقة ، ولم يواجه التساؤلات التي كان المسلمون يثيرونها أمام بعض الأحكام الشرعية بالردّ والرفض العنيف ، بل عمل على أن يواجه الإنسان ، كافرا أو مؤمنا ، الفكرة العقيدية والفرعية ، من موقع التساؤل البريء ، لتتكون القناعة الفكرية في العقيدة والتشريع على أساس متين .