السيد محمد حسين فضل الله

65

من وحي القرآن

أمّا القضية التي انطلقت هذه الآيات لمعالجتها ، فقد شغلت المجتمع الإسلامي والمجتمع الكافر المضاد ، لأنها كانت صدمة لهم جميعا ، وذلك لأن المسلمين كانوا يتجهون في عباداتهم منذ بداية الدعوة ، إلى بيت المقدس الذي يتجه إليه اليهود والنصارى من أهل الكتاب ، فجاء التشريع الجديد لينسخ ذلك ويحوّل القبلة إلى الكعبة ، فأدّى ذلك إلى إثارة أهل الكتاب لأنهم كانوا يجدون في صلاة المسلمين إلى بيت المقدس نوعا من أنواع التبعية العملية لهم ، وسبيلا من سبل إضلال البسطاء من المسلمين بالإيحاء إليهم بأن ذلك يدل على أن الحق معهم ، كما أنهم اعتبروه خسارة لأحد مواقعهم العملية التي تؤكد أصالتهم ومواقعهم المتقدمة من الكتاب والنبوّات . أمّا المسلمون فقد عاشوا صدمة ذاتية ، لاشتمال ذلك على أسلوب جديد غير مألوف لديهم في التعامل مع التشريع الذي ساروا عليه مدة طويلة ، بإلزامهم بالوقوف منه موقف الرفض العملي الذي يستبدل موقفا بموقف ، فيعتبر السير على التشريع - على أساس ذلك - انحرافا عن الخط الصحيح ، مما لم يكن لهم سابق معرفة به ، ولم يكونوا في إعداد نفسي له ، بل جاء مفاجأة كبيرة لهم ، وصدمة نفسية إيحائية من خلال أساليب اليهود الذين حاولوا أن يثيروا أمامهم المشكلة الفكرية في النسخ ، فإذا كان حكم اللّه هو التوجه إلى بيت المقدس ، فمعنى ذلك أنّه الحق وأنّ غيره هو الباطل ، فكيف يتغير حكم اللّه إلى شيء آخر لتنقلب النظرة إليه في النظرة إلى الحق والباطل في القضية نفسها ، وكيف يمكن أن ينسب ذلك إلى اللّه الحكيم في كل ما يفعله من أفعال وما يشرّعه من أحكام ما دامت المصلحة لازمة للأشياء وما دام الحكم تابعا للمصلحة التي تمليه ؟ ! ولم يكن لدى المسلمين من المعرفة بأسس التشريع وطبيعة مساره ما يمكّنهم من الدخول في جدل أو مناقشة حول ذلك مع هؤلاء . . وهكذا عاش المسلمون جوا من الريب والحيرة ، وبدأوا يواجهون حالة متوترة من الضوضاء والقيل والقال ، بالمستوى الذي تحوّل الموقف فيه