السيد محمد حسين فضل الله
28
من وحي القرآن
من خلال قدومهم إليه ورجوعهم منه ، وقيل : مكانا للثواب يثيب اللّه فيه عباده على حجّهم إليه وعبادتهم له ، كما في مفردات الراغب الأصفهاني « 1 » . وَأَمْناً يأمن فيه الناس على أنفسهم من الظلم والاضطهاد والقتل ، لأن اللّه جعله ساحة للسلام ، فلم يرخص لأحد في الاعتداء على أحد ، ليعيش الناس هذه التجربة الروحية التي يتمردون فيها على غرائزهم ونوازع الانتقام في ذواتهم ، وينمّون عناصر الخير والعفو والتسامح في أخلاقهم من موقع الجهاد النفسي الذي يفرض فيه الإنسان على نفسه الصبر على المشاعر الانتقامية . وقيل : إن هذا التشريع تحوّل إلى واقع حيّ في حياة الناس الذين يعظّمون البيت الحرام ويقدّسونه ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه فلا يتعرض له . وقد تحدث اللّه عن ذلك في آية أخرى في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [ العنكبوت : 67 ] . ولا يخفى ما في ذلك من النعم والبركات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية . ثم أمر اللّه المسلمين أن يتخذوا من مقام إبراهيم ، الملاصق للبيت أو الواقع خلفه مصلّى ، فقال : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى أي مكانا يصلّون فيه ، وقد فرض اللّه على الحجّاج والمعتمرين الإتيان بركعتي الطواف بعد الطواف بالبيت ، خلف مقام إبراهيم ، مهما أمكن . وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ اللذين أوكل اللّه إليهما مهمة بناء البيت أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ الذي أردته مكانا للطواف والاعتكاف والركوع والسجود ، ولغير ذلك من ألوان العبادة للّه ، فكان لا بدّ من أن يكون طاهرا من الأصنام التي تمثل الشرك « 2 »
--> ( 1 ) الأصفهاني ، الراغب : معجم مفردات ألفاظ القرآن ، دار الفكر ، ص : 80 . ( 2 ) نقلا عن : الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، ط : 1 ، 1411 ه - 1991 م ، ج : 1 ، ص : 281 .