السيد محمد حسين فضل الله

23

من وحي القرآن

شخصيّة إبراهيم النبيّ امتداد للإسلام ويتابع القرآن حديث إبراهيم في قصة جديدة تتصل بالتاريخ الديني في قصة النبوّات من جهة ، وترتبط بعلاقة الإسلام بالامتداد الرحب لشخصية إبراهيم في تطلعاتها المستقبلية من جهة أخرى ، وتلك هي قصة بناء البيت - الكعبة الحرام - الذي أراده اللّه مرجعا للناس يرجعون إليه ويثوبون ، كقاعدة روحية يعيشون فيها الشعور بالوحدة الروحية التي تربط بعضهم ببعض بين يدي اللّه ، ويطوفون به في إحساس عميق بعبوديتهم للّه ، وفي استيحاء الفكرة الإيمانية المتحركة حيث يستلهمون منه أن يكون طوافهم في الحياة حول كلمات اللّه وتعاليمه ومفاهيمه ، ويشعرون في ظلاله بالأمن الذي أراده اللّه طابعا مميزا لهذا البيت في ما أوحى به إلى الأنبياء في شرائعهم ، من حرمة الاعتداء على الناس والإساءة إليهم حتى في الحالات المشروعة في ذاتها . فقد ورد في بعض الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليه السّلام ، أن الحد لا يقام على الجاني في مكة إلا إذا كانت جنايته في مكة بالذات « 1 » . . . وكأن اللّه أراد أن يجعل من هذا البيت قاعدة سلام يجتمع إليها الناس من دون إحساس بالخوف وبالمشاعر المضادّة التي تمنعهم من اللقاء . ثم أراد اللّه أن يكرّم جهد نبيّه

--> ( 1 ) جاء في كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي : لا يقام الحد إطلاقا في الحرم على من التجأ إليه ، لقوله تعالى : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً بل يضيّق عليه في المطعم والمشرب ، ويقتصر على ما يسد الرمق ، ليخرج ويقام عليه الحد ، فقد جاءت الرواية الصحيحة عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام في رجل يجني في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم ، قال : « لا يقام عليه الحدّ . . . وإن جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم ، لأنه لم ير للحرم حرمة » . وقال أبو حنيفة : لا يجوز قتل من التجأ إلى الحرم ، واستدل بقوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً نقلا عن مغنية ، محمد جواد ، تفسير الكاشف ، دار العلم للملايين ، بيروت ، ط : 4 ، حزيران ، 1990 ، م : 1 ، ص : 200 - 201 .