السيد محمد حسين فضل الله
11
من وحي القرآن
القدوة الحسنة الكبيرة التي يراد للناس الأخذ بها وموقع الولاية التي هيّأه لها ، لتفتح النبوّة المنطلقة في خط التبليغ على الإمامة المتحركة في خط الواقع ، مما يوجد تكاملا بينهما لا انفصالا . وهناك وجه آخر لتفسير فَأَتَمَّهُنَّ بإرجاع الضمير إلى اللّه في إتمام كلماته ، قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً في تطوّر النبوة - الدعوة إلى الإمامة - الحركة . وربما كانت المسألة كناية عن الرسالة كلها في خطها الفكري والعملي ، بحيث يكون الاختبار الإلهي بالكلمات واستيعاب إبراهيم لهن في موقع التكليف بالرسالة ، حركة مترتبة متدرجة ، إذ لا دليل على أنّ الجعل كان بعد النبوّة ، بل كل ما هناك أنّ الآية توحي بأن ثمّة هناك إيحاء من اللّه بالكلمات الرسالية ، وإعلانا له بأنها تمثل خط الإمامة بمعنى الولاية النبوية والقدوة الحركية في حياته . وقد لا نجد في القرآن الكريم أيّ شاهد على أن الإمامة تحمل مفهوما مقابلا للنبوّة في مفهومها الواقعي العام ، لأن الوحي الذي ينزل على النبي أو الرسالة التي يحملها الرسول ، ليسا تعبيرا عن حالة ثقافية في وعي النبي ترتبط بذاته أو تنفتح على غيره في عملية سماع مجرّد لآياتها ، بل هما معنيان حركيان في عملية الاهتداء والاقتداء والمتابعة ، مما تختزنه كلمة الإمامة في مضمون الائتمام الذي يعني الاقتداء والمتابعة ، مما تختزنه كلمة الإمامة تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ [ الأنبياء : 73 ] . وقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [ السجدة : 24 ] . فإن الصفات المذكورة للأئمة هي صفات الأنبياء في مهمّة نبوّتهم ورسالتهم ، من الهداية بأمر اللّه والوحي المنفتح على فعل الخيرات ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، من خلال وعيهم اليقيني لآيات اللّه ، وصبرهم الحركي في مواجهة التحديات والعقبات من قبل أعداء اللّه . وأمّا ما استدل به البعض أن مورد الآية قد جاء في أواخر عهد إبراهيم عليه السّلام بعد كبره وولادة إسماعيل وإسحاق له ،