السيد محمد حسين فضل الله
52
من وحي القرآن
ورحمته المتمثلة في ذلك كله ، بل أعلنوا الموقف المتمرد الذي يهدف إلى التحدي ولا يهدف إلى الإيمان . وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً أي عيانا ، تماما كما يشاهد أحدنا الآخر ، وهو ما يدل على أنكم لم تنطلقوا من وعي المسألة الإلهية في أبعادها الحقيقية التي لا تلتقي بالتجسيد المادي الذي يجعل الإله خاضعا للحاجات الجسدية ، مفتقرا إلى عناصرها المادية ، فهو الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] وهو الذي تنطلق الفطرة من أعماق الإنسان لتلتقي به ، ويتحرك الوجدان في بداهة العقل ليتحسس وجوده ، فيرى في كل خلق من خلقه دليلا عليه وشاهدا على عظمته . وربما كانت مسألتكم في ما تطلبونه من رؤية اللّه عيانا ، أسلوبا من أساليب العناء والتعجيز لموسى ، لأنكم تعرفون أنه غير قادر على الاستجابة لطلبكم هذا ، لأنه طلب المستحيل ، لتبتعدوا بالبسطاء من الناس عن وعي الإيمان في رسالة النبي ، من خلال الحالة الساذجة التي تلعبون عليها . فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ التي أرسلها اللّه عليكم في برقها ورعدها وزلزالها ، للإيحاء لكم بأنكم إذا لم تملكوا حياتكم في مواجهة هذه الظاهرة التي هي خلق من قدرة اللّه ، فكيف تملكون النظر إليه سبحانه لو كان ذلك ممكنا . وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ مدهوشين مذهولين بالمستوى الذي سقطتم فيه صرعى من دون حياة ولا حراك . . ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لتعرفوا مدى قدرة اللّه على تحريك الحياة بإرادته ، وإنزال الموت بقوته ، وإعادة الحياة بقدرته في الدنيا والآخرة . . . وربما كان في هذه التجربة - في إعادة الحياة بعد الموت في الدنيا - ما يرفع الاستبعاد عن فكرة الرجعة من حيث المبدأ . وقد حاول البعض تفسير الموت بالغيبوبة ، ليكون البعث عبارة عن