السيد محمد حسين فضل الله

23

من وحي القرآن

الرأس من الجسد ، ولا جسد لمن لا رأس له ، ولا إيمان لمن لا صبر له » « 1 » . أما الصلاة ، فهي معراج المؤمن إلى ربّه ، تعرج فيها روحه وضميره وقلبه وفكره . . . فتلتقي باللّه في لحظات ابتهال وانفتاح ، وتتصل بالمعاني الكبيرة الممتدة في رحاب اللّه . إن الإنسان إذا اتصل قلبه باللّه انفتحت روحه على أخلاقه العظيمة التي أرادنا أن نتخلّق بها في الحياة ؛ ومتى تحقّق للإنسان هذا الانفتاح ، وعاش في هذه الأجواء الفسيحة ، انخفض عنده مستوى الاهتمام بالقضايا الصغيرة ، وعندها لن تثير في نفسه أيّ شيء مما اعتاد الناس أن يستثيروا به وجدانهم وحياتهم . وفي ضوء ذلك ، نستوحي أجواء الآية التي تتجه إلى المنحرفين عن الخط من اليهود وغيرهم لتقول لهم : إن مشكلتكم تتحدد في نقطتين أساسيتين من نقاط الضعف ، فأنتم تنسون اللّه من جهة ، وتضعفون أمام الضغوط والإغراءات من جهة أخرى ، فإذا نسيتم اللّه استسلمتم للشيطان وفقدتم الأجواء الروحية التي توحي لكم بالخير والانفتاح على القضايا الكبيرة في الحياة ، وتحوّلت الحياة لديكم إلى اهتمامات صغيرة محدودة تلاحق الصغائر التي تثير العداوة والبغضاء ، وتبعث على الخصومة والنزاع . . . وإذا ضعفتم أمام الإغراء والضغط الداخلي والخارجي ، تركتم قيمكم وراء ظهوركم ؛ فإذا هاجمتكم حبائل الشيطان ومكائده وعوامل الإغراء ونوازعه ، فاستعينوا بالصبر لتحصلوا من خلاله على الإرادة القوية التي تثبت أقدامكم في الأرض ، فتستقيم لكم قضاياكم ومبادئكم وأخلاقكم في خط الإيمان ، وإذا نسيتم اللّه ، فاستعينوا بالصلاة ، لترتفعوا بروحكم إليه ، فتعيشوا في أجوائه وتسبحوا في ألطافه ونعمائه .

--> ( 1 ) المجلسي ، محمد باقر : بحار الأنوار ، دار إحياء التراث العربي ، ط : 1 ، 1412 ه / 1992 م ، م : 28 ، ج : 79 ، باب : 62 ، ص : 539 ، رواية : 22 .