السيد محمد حسين فضل الله

62

من وحي القرآن

معرفتها بدقّة - من خلال الحوار - لتصفو النظرة ، وتستقيم الفكرة ، وتتأكد الثقة . وخلاصة الفكرة في مسألة العبادة ، أنها تمثل غاية الخضوع للمعبود من حيث الشكل ، في ما يعبر عنه من وسائل التعبير القولية والفعلية بالمستوى الذي يوحي بالانسحاق أمامه ، ومن حيث المضمون في ما ينطلق به العبد من الخضوع الداخلي للمعبود بحيث يستغرق في ذاته ، في ما هي عبادة الذات ، أو في موقعه ، في ما هي عبادة الموقع - الرمز . أمّا الشرك في عبادة اللَّه ، فإنه ينطلق من الاستغراق في عبادة غيره من موقع التألّه ، أو من موقع الإيحاء بالأسرار الإلهية الكامنة في ذاته ، كما في قوله تعالى في الحديث عن منطق العابدين للأصنام : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] . فقد كان الوثنيون يتوجهون إليهم بالعبادة ، فيطلبون منهم حوائجهم ، ويبتهلون إليهم على أساس أنهم يتقربون إليهم بذلك ليقربوهم إلى اللَّه ، من خلال الحظوة الذاتية لديهم عند اللَّه ، كما توهم الجاهليون . بين عبادة الأصنام واحترام الأولياء وهذا هو الفرق بين ما يفعله الوثنيون وما يفعله المسلمون الذين يؤكدون شرعية الشفاعة والتوسل بالأنبياء والأولياء ، باعتبار أن المسلمين يفعلون ذلك من موقع التوجه إلى اللَّه بأن يجعلهم الشفعاء لهم ، وأن يقضي حاجاتهم بحق هؤلاء في ما جعله لهم من حق ، مع الوعي الدقيق للمسألة الفكرية في ذلك كله ، وهي الاعتراف بأنهم عباد اللَّه المكرمون المطيعون له الخاضعون لألوهيته