السيد محمد حسين فضل الله

52

من وحي القرآن

الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . وقد تقدم الحديث عن ملامح هاتين الكلمتين في معناهما ، أما موقعهما في هذه السورة ، فلعله كان بلحاظ الإيحاء بأن الربوبية الشاملة تنفتح على الخلق ، ولا سيما الإنسان ، من خلال الرحمة الواسعة التي تتسع لتشمل الخلائق كلهم ، ليقفوا أمامه في أمل كبير ورجاء عظيم ، على هذا الصعيد ، ليتوازن الشعور لديهم بين الخوف ، من خلال وحي الربوبية الشاملة ، وبين الرجاء ، من خلال وحي الرحمة الواسعة . مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، يوم الدين : أي : يوم الجزاء أو الحساب . هذه الفقرة تدل على إحاطة اللَّه تعالى وسيطرته على هذا اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين ، لينطلق التصور في جولة واسعة في ساحة المسؤولية التي يتحملها الإنسان في حياته بين يدي اللَّه ، في ما كلّفه اللَّه به من إطاعة أوامره ونواهيه ، لأن ذلك هو طبيعة وجود يوم الجزاء ، لأن الجزاء لا يكون إلا على الطاعة أو المعصية ، كما أن يوم الحساب يفرض وجود يوم للعمل . وهكذا ينفتح الإنسان على ربه المالك ليوم الجزاء ليخاف عقابه من موقع عدله ، أو ليرجو ثوابه به موقع رحمته ، ليقترب ، منه في ساحات الخضوع والخشوع من خلال معرفته بالمصير الأخروي الذي يحمل إليه السعادة الدائمة أو الشقاء الخالد . وهكذا تتحرك هذه الآيات الثلاث لتدفع بالإنسان إلى حمد اللَّه تعالى في ما هو التصوّر للربوبية المهيمنة على العالمين ، وللرحمة الشاملة الواسعة على كل آفاق حياتهم ، وللمالكية المطلقة ليوم الجزاء الذي يقوم الناس فيه لرب