السيد محمد حسين فضل الله
32
من وحي القرآن
وإذا كانت الكلمتان لِلَّهِ و رَبِّ الْعالَمِينَ تختزنان إيحاء قوة العظمة ، فإن كلمتي الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ توحيان بالرحمة التي تلامس قلب الإنسان وروحه وكذلك كل حياته ، لتناسب فيها محبة وخيرا وطمأنينة وسلاما ، فترتاح مشاعره لإيحاءات الرحمة في الوقت الذي تسمو فيه أفكاره إلى معاني العظمة ، ثم تنقله الأجواء الإيمانية إلى عالم آخر ، هو عالم الآخرة الذي يواجه فيه الجزاء العادل على أعماله الصالحة أو غير الصالحة في يوم الدين الذي يملكه اللَّه ، فله - وحده - السيطرة المطلقة فيه ، في كل ما يتعلق بالثواب والعقاب ، والجنة والنار . . وبذلك تندفع مشاعر المسؤولية في كيان الإنسان لينطلق تصوّره للَّه من خلال هذا الأفق الواسع الذي يثير في داخله الرقابة الإلهية الشاملة لتوازن خطواته في المواقع التي تتوازن فيها أعماله . وهكذا يكون التصور للَّه في هذه الصفات الثلاث أساسا لحركة العقيدة باللَّه في تفاصيلها الإيحائية التي تتحرك في حياة الإنسان لتوجهه إلى عبادة اللَّه ، ممّا تفرضه الربوبية الشاملة والرحمة الواسعة والمالكية المطلقة للمصير كله ، وفيما هي الهيمنة كلها على الكون كله ، فيتوجه إليه ليعبّر عن خضوعه لعبادته بالمستوى الذي ينفتح فيه على توحيد العبادة ، فلا يعبد غيره ، ولا تكون المسألة مسألة تقريرية ، بل هي مسألة إقرارية ، لأنه يسجل على نفسه الاعتراف الحاسم بذلك بقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ . ثم يتطلع إلى الوجود كله ليجد أن اللَّه هو القادر على كل شيء فيه ، لأنه الخالق لكل الوجود ، فكل مخلوق محتاج إليه بفعل ارتباط وجوده به الذي يمثل الفقر كله ، مما يجعله عاجزا عن إدارة شؤون نفسه ، أو إدارة شؤون غيره إلّا بإذنه ، فهو المستعان ، فلا يملك أحد أن يحصل على العون إلا بإرادته ،