السيد محمد حسين فضل الله
25
من وحي القرآن
القرآن من أجل أن نعيش تلك الأجواء في حياتنا الإسلامية الصاعدة ، لأنّ القرآن ليس كلمات لغوية تتجمد في معناها اللغوي ، بل هي كلمات تتحرك في أجواء روحية وعلمية ، ولهذا فإنّنا لا نتعامل مع آياته كتعاملنا مع النصوص الأدبية المجردة التي تتحرك مع الفكرة بعيدا عن أجواء الواقع ، بل إنّنا نشعر أنّه حياة تتحرّك وتعطي وتوحي وتهدي وتقود إلى الصراط المستقيم . فقد كانت آياته تتنزل في أجواء حركة الدعوة الإسلامية لتراقب نقاط ضعفها وقوتها في خطوات الداعية وفي تحديات الواقع ، لتضع لها القواعد الحية التي تقوّي جوانب الضعف وتحمي القوة من عوامل الانهيار وتوجه الخطوات إلى أهدافها وتواجه تحديات الواقع بإصرار . . . وبذلك كانت تتحرك في جو الرسالة لتخلق من خلاله جوّا جديداً لها في داخل حركة المجتمع الإسلامي . وقد نجد - في هذه الرؤية للأسلوب القرآني - أنّ علينا أن نفهم القرآن ككتاب رسالة ودعوة ، وذلك من خلال استحضار أجواء الدعوة والرسالة في نفوسنا ، لنعيش حيويته وحركيته وروحانيته الرسالية كما عاشها المسلمون الأولون ، للوصول إلى الهدف الكبير وهو صنع الشخصية القرآنية المنفتحة الواعية التي كان يجسدها الرسول الأعظم في سيرته أصدق تمثيل ، ولذا كانت سيرته رسالة عملية كما كانت أقواله رسالة ، فالتقت في حياته الأسوة والقدوة بجانب الدعوة ، وذلك قوله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [ الأحزاب : 21 ] . وقد لاحظنا ونحن نتابع القرآن في أسباب نزوله أنّ هناك نقطتين جديرتين بالاهتمام في عملية الاستيحاء القرآنية :