الغزالي
95
إحياء علوم الدين
وبقوله تعالى * ( وفي الأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) * « 1 » وعلى القعود عن هذا السفر وقع الإنكار بقوله تعالى : * ( وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * « 2 » وبقوله سبحانه : * ( وكَأَيِّنْ من آيَةٍ في السَّماواتِ والأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ) * « 3 » فمن يسر له هذا السفر لم يزل في سيره متنزها في جنة عرضها السماوات والأرض ، وهو ساكن بالبدن ، مستقر في الوطن ، وهو السفر الذي لا تضيق فيه المناهل والموارد ، ولا يضر فيه التزاحم والتوارد ، بل تزيد بكثرة المسافرين غنائمه وتتضاعف ثمراته وفوائده ، فغنائمه دائمة غير ممنوعة ، وثمراته متزايدة غير مقطوعة ، إلا إذا بدا للمسافر فترة في سفره ، ووقفة في حركته ، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا زاغوا أزاغ الله قلوبهم وما الله بظلام للعبيد ولكنهم يظلمون أنفسهم ومن لم يؤهل للجولان في هذا الميدان والتطواف في منتزهات هذا البستان ، ربما سافر بظاهر بدنه ، في مدة مديدة فراسخ معدودة ، مغتنما بها تجارة للدنيا أو ذخيرة للآخرة فإن كان مطلبه العلم والدين ، أو الكفاية للاستعانة على الدين ، كان من سالكي سبيل الآخرة وكان له في سفره شروط وآداب إن أهملها كان من عمال الدنيا وأتباع الشيطان ، وإن واظب عليها لم يخل سفره عن فوائد تلحقه بعمال الآخرة ، ونحن نذكر آدابه وشروطه في بابين إن شاء الله تعالى الباب الأول : في الآداب من أول النهوض إلى آخر الرجوع وفي نية السفر وفائدته ، وفيه فصلان : الباب الثاني : فيما لا بد للمسافر من تعلمه من رخص السفر وأدلة القبلة والأوقات
--> « 1 » الذاريات : 20 ، 21 « 2 » الصافات : 137 ، 138 « 3 » يوسف : 105