الغزالي

92

إحياء علوم الدين

في الأرض ، فلا بد أن ينبت وتتفرع عروقه وأغصانه ، ويتداعى بعضها إلى بعض . وأحد مهمات المعتزل قطع الوساوس الصارفة عن ذكر الله . والأخبار ينابيع الوساوس وأصولها وليقنع باليسير من المعيشة ، وإلا أضطره التوسع إلى الناس ، واحتاج إلى مخالطتهم وليكن صبورا على ما يلقاه من أذى الجيران . وليسد سمعه عن الإصغاء إلى ما يقال فيه من ثناء عليه بالعزلة ، أو قدح فيه بترك الخلطة ، فإن كل ذلك يؤثر في القلب ولو مدة يسيرة وحال اشتغال القلب به لا بد أن يكون واقفا عن سيره إلى طريق الآخرة فإن السير ، إما بالمواظبة على ورد وذكر مع حضور قلب ، وإما بالفكر في جلال الله وصفاته وأفعاله وملكوت سماواته وأرضه ، وإما بالتأمل في دقائق الأعمال ومفسدات القلوب ، وطلب طرق التحصن منها . وكل ذلك يستدعى الفراغ ، والإصغاء إلى جميع ذلك مما يشوش القلب في الحال . وقد يتجدد ذكره في دوام الذكر من حيث لا ينتظر . وليكن له أهل صالحة أو جليس صالح ، لتستريح نفسه إليه في اليوم ساعة من كدّ المواظبة ، ففيه عون على بقية الساعات ولا يتم له الصبر في العزلة إلا بقطع الطمع عن الدنيا وما الناس منهمكون فيه . ولا ينقطع طمعه إلا بقصر الأمل ، بأن لا يقدر لنفسه عمرا طويلا ، بل يصبح على أنه لا يمسي ويمسي على أنه لا يصبح ، فيسهل عليه صبر يوم ، ولا يسهل عليه العزم على الصبر عشرين سنة لو قدر تراخى الأجل . وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر ، مهما ضاق قلبه من الوحدة وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به ، فلا يطيق وحشة الوحدة بعد الموت وأن من أنس بذكر الله ومعرفته ، فلا يزيل الموت أنسه . إذ لا يهدم الموت محل الأنس والمعرفة بل يبقى حيا بمعرفته وأنسه ، فرحا بفضل الله عليه ورحمته . كما قال الله تعالى في الشهداء * ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ الله من فَضْلِه ِ ) * « 1 » وكل متجرد لله في جهاد نفسه فهو شهيد ، مهما أدركه الموت مقبلا غير مدبر [ 1 ] فالمجاهد من جاهد نفسه وهواه ، كما صرح به رسول الله صلَّى الله عليه وسلم . والجهاد الأكبر جهاد النفس ، كما قال بعض الصحابة رضي الله عنهم : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، يعنون جهاد النفس تم كتاب العزلة ، ويتلوه كتاب آداب السفر ، والحمد لله وحده

--> « 1 » آل عمران : 169 ، 170