الغزالي

90

إحياء علوم الدين

أحدها ما ذكرناه . والثاني عموم النفع لتعدي فائدته ، والعمل لا تتعدى فائدته . والثالث أن يراد به العلم باللَّه وصفاته وأفعاله ، فذلك أفضل من كل عمل . بل مقصود الأعمال صرف القلوب عن الخلق إلى الخالق ، لتنبعث بعد الانصراف إليه لمعرفته ومحبته . فالعمل وعلم العمل مرادان لهذا العلم ، وهذا العلم غاية المريدين ، والعمل كالشرط له ، وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( إِلَيْه ِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه ُ ) * « 1 » فالكلم الطيب هو هذا العلم ، والعمل كالحمال الرافع له إلى مقصده ، فيكون المرفوع أفضل من الرافع . وهذا كلام معترض لا يليق بهذا الكلام ، فلنرجع إلى المقصود فنقول إذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها ، تحققت أن الحكم عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباتا خطأ . بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله ، وإلى الخليط وحاله ، وإلى الباعث على مخالطته وإلى الفائت بسبب مخالطته من هذه الفوائد المذكورة . ويقاس الفائت بالحاصل . فعند ذلك يتبين الحق ، ويتضح الأفضل . وكلام الشافعي رحمه الله هو فصل الخطاب ، إذ قال يا يونس ، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين المنقبض والمنبسط . فلذلك يجب الاعتدال في المخالطة والعزلة . ويختلف ذلك بالأحوال وبملاحظة الفوائد والآفات يتبين الأفضل . هذا هو الحق الصراح . وكل ما ذكر سوى هذا فهو قاصر . وإنما هو إخبار كل واحد عن حالة خاصة هو فيها ، ولا يجوز أن يحكم بها على غيره المخالف له في الحال . والفرق بين العالم والصوفي في ظاهر العلم يرجع إلى هذا وهو أن الصوفي لا يتكلم إلا عن حاله ، فلا جرم تختلف أجوبتهم في المسائل ، والعالم هو الذي يدرك الحق على ما هو عليه ، ولا ينظر إلى حال نفسه ، فيكشف الحق فيه . وذلك مما لا يختلف فيه . فإن الحق واحد ابدا . والقاصر عن الحق كثير لا يحصى . ولذلك سئل الصوفية عن الفقر ، فما من واحد إلا وأجاب بجواب غير جواب الآخر . وكل ذلك حق بالإضافة إلى حاله ، وليس بحق في نفسه . إذ الحق لا يكون إلا واحدا . ولذلك قال أبو عبد الله الجلاء ، وقد سئل عن الفقر فقال : اضرب بكميك الحائط ، وقل ربي الله ، فهو الفقر . وقال الجنيد : الفقير هو الذي لا يسأل أحدا ولا يعارض ، وإن عورض سكت .

--> « 1 » فاطر : 9