الغزالي

68

إحياء علوم الدين

فمن أمكنه أن يحترز هذا الاحتراز ، فليخالط الناس . وإلا فليرض بإثبات اسمه في جريدة المنافقين ، فقد كان السلف يتلاقون ويحترزون في قولهم كيف أصبحت ؟ وكيف أمسيت ؟ وكيف أنت ؟ وكيف حالك ؟ وفي الجواب عنه ، فكان سؤالهم عن أحوال الدين لا عن أحوال الدنيا : قال حاتم الأصم ، لحامد اللفاف : كيف أنت في نفسك ؟ قال سالم معافى . فكره حاتم جوابه ، وقال يا حامد ، السلامة من وراء الصراط والعافية في الجنة وكان إذا قيل لعيسى صلَّى الله عليه وسلم كيف أصبحت ؟ قال أصبحت لا أملك تقديم ما أرجو ، ولا أستطيع دفع ما أحاذر . وأصبحت مرتهنا بعملي ، والخير كله في يد غيري ولا فقير أفقر منى . وكان الربيع بن خثيم إذا قيل له كيف أصبحت ؟ قال أصبحت من ضعفاء مذنبين ، نستوفى أرزاقنا ، وننتظر آجالنا . وكان أبو الدرداء إذا قيل له كيف أصبحت ؟ قال أصبحت بخير إن نجوت من النار . وكان سفيان الثوري إذا قيل له كيف أصبحت ؟ يقول أصبحت أشكر ذا إلى ذا ، وأذم ذا إلى ذا ، وأفر من ذا إلى ذا . وقيل لأويس القرني كيف أصبحت ؟ قال كيف يصبح رجل إذا أمسى لا يدرى أنه يصبح ؟ وإذا أصبح لا يدرى أنه يمسي ؟ وقيل لمالك بن دينار كيف أصبحت ؟ قال أصبحت في عمر ينقص ، وذنوب تزيد وقيل لبعض الحكماء كيف أصبحت ؟ قال أصبحت لا أرضى حياتي لمماتى ، ولا نفسي لربي وقيل لحكيم كيف أصبحت ؟ قال أصبحت آكل رزق ربي ، وأطيع عدوه إبليس . وقيل لمحمد بن واسع كيف أصبحت ؟ قال ما ظنك برجل يرتحل كل يوم إلى الآخرة مرحلة ؟ وقيل لحامد اللفاف كيف أصبحت ؟ قال أصبحت أشتهي عافية يوم إلى الليل . فقيل له ألست في عافية في كل الأيام ؟ فقال العافية يوم لا أعصى الله تعالى فيه وقيل لرجل وهو يجود بنفسه ما حالك ؟ فقال وما حال من يريد سفرا بعيدا بلا زاد ؟ ويدخل قبرا موحشا بلا مؤنس ، وينطلق إلى ملك عدل بلا حجة ، وقيل لحسان بن أبي سنان ما حالك قال ما حال من يموت ثم يبعث ثم يحاسب ، وقال ابن سيرين لرجل كيف حالك فقال وما حال من عليه خمسمائة درهم دينا وهو معيل ؟ فدخل ابن سيرين منزله ، فأخرج له ألف درهم فدفعها اليه ، وقال خمسمائة اقض بها دينك ، وخمسمائة عد بها على نفسك وعيالك . ولم يكن عنده غيرها