الغزالي

58

إحياء علوم الدين

قالوا والعزلة هجره بالكلية . وهذا ضعيف ، لأن المراد به الغضب على الناس ، واللجاج فيه بقطع الكلام والسلام والمخالطة المعتادة . فلا يدخل فيه ترك المخالطة أصلا من غير غضب مع أن الهجر فوق ثلاث جائز في موضعين : أحدهما أن يرى فيه صلاحا للمهجور في الزيادة والثاني أن يرى لنفسه سلامة فيه والنهي وإن كان عاما فهو محمول على ما وراء الموضعين المخصوصين ، بدليل ما روى عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] هجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر . وروي عن عمر أنه صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] اعتزل نساءه وآلى منهن شهرا ، وصعد إلى غرفة له ، وهي خزانته ، فلبث تسعا وعشرين يوما ، فلما نزل ، قيل له إنك كنت فيها تسعا وعشرين ، فقال « الشّهر قد يكون تسعا وعشرين » وروت عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلَّى الله عليه وسلم قال [ 3 ] « لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّام إلَّا أن يكون ممّن لا تؤمن بوائقه » فهذا صريح في التخصيص ، وعلى هذا ينزل قول الحسن رحمه الله حيث قال : هجران الأحمق قربة إلى الله . فإن ذلك يدوم إلى الموت ، إذ الحماقة لا ينتظر علاجها . وذكر عند محمد بن عمر الواقدي رجل هجر رجلا حتى مات ، فقال : هذا شيء قد تقدم فيه قوم ، سعد بن أبي وقاص كان مهاجرا لعمّار بن ياسر حتى مات ، وعثمان بن عفان كان مهاجرا لعبد الرحمن بن عوف ، وعائشة كانت مهاجرة لحفصة وكان طاوس مهاجرا لوهب بن منبه حتى ماتا وكل ذلك يحمل على رؤيتهم سلامتهم في المهاجرة واحتجوا بما روى [ 4 ] أن رجلا أتى الجبل ليتعبد فيه . فجيء به إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فقال « لا تفعل أنت ولا أحد منكم لصبر أحدكم في بعض مواطن الإسلام خير له من عبادة أحدكم وحده أربعين عاما » والظاهر أن هذا إنما كان لما فيه من ترك الجهاد