الغزالي

55

إحياء علوم الدين

وقال أكثر التابعين باستحباب المخالطة ، واستكثار المعارف والإخوان ، والتألف والتحبب إلى المؤمنين ، والاستعانة بهم في الدين ، تعاونا على البر والتقوى . ومال إلى هذا سعيد بن المسيب والشعبي ، وابن أبي ليلى ، وهشام بن عروة ، وابن شبرمة ، وشريح ، وشريك بن عبد الله وابن عيينة ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وجماعة والمأثور عن العلماء من الكلمات ، ينقسم إلى كلمات مطلقة تدل على الميل إلى أحد الرأيين وإلى كلمات مقرونة بما يشير إلى علة الميل . فلننقل الآن مطلقات تلك الكلمات ، لنبين المذاهب فيها ، وما هو مقرون بذكر العلة نورده عند التعرض للغوائل والفوائد فنقول : قد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : خذوا بحظكم من العزلة . وقال ابن سيرين : العزلة عبادة . وقال الفضيل : كفى باللَّه محبا ، وبالقرءان مؤنسا ، وبالموت واعظا . وقيل : اتّخذ الله صاحبا ، ودع الناس جانبا . وقال أبو الربيع الزاهد ، لداود الطائي : عظني . قال : صم عن الدنيا ، واجعل فطرك الآخرة ، وفر من الناس فرارك من الأسد . وقال الحسن رحمه الله كلمات أحفظهن من التوراة ، قنع ابن آدم فاستغنى ، اعتزل الناس فسلم ، ترك الشهوات فصار حرّا ، ترك الحسد فظهرت مروءته ، صبر قليلا فتمتع طويلا . وقال وهيب بن الورد : بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء ، تسعة منها في الصمت ، والعاشر في عزلة الناس . وقال يوسف ابن مسلم ، لعلي بن بكار : ما أصبرك على الوحدة ؟ وقد كان لزم البيت ، فقال : كنت وأنا شاب أصبر على أكثر من هذا ، كنت أجالس الناس ولا أكلمهم . وقال سفيان الثوري : هذا وقت السكوت ، وملازمة البيوت . وقال بعضهم : كنت في سفينة ، ومعنا شاب من العلوية ، فمكث معنا سبعا لا نسمع له كلاما ، فقلنا له يا هذا قد جمعنا الله وإياك منذ سبع ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا ؟ فأنشأ يقول : قليل الهم لا ولد يموت ولا أمر يحاذره يفوت قضى وطر الصبا وأفاد علما فغايته التفرد والسكوت وقال إبراهيم النخعي لرجل : تفقه ثم اعتزل . وكذا قال الربيع بن خثيم . وقيل كان مالك بن أنس يشهد الجنائز ، ويعود المرضى ويعطى الإخوان حقوقهم . فترك ذلك واحدا واحدا