الغزالي

36

إحياء علوم الدين

روضة من رياض الجنة ، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار . وكان الربيع ابن خثيم قد حفر في داره قبرا ، فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع فيه ، ومكث ساعة ، ثم قال * ( رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) * « 1 » ، ثم يقول : يا ربيع قد أرجعت فاعمل الآن قبل أن لا ترجع . وقال ميمون بن مهران : خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة ، فلما نظر إلى القبور بكى ، وقال يا ميمون ، هذه قبور آبائي بني أمية ، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم . أما تراهم صرعى قد خلت بهم المثلات ؟ وأصاب الهوام من أبدانهم ؟ ثم بكى ، وقال : والله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور ، وقد أمن من عذاب الله وآداب المعزى خفض الجناح ، وإظهار الحزن ، وقلة الحديث ، وترك التبسم . وآداب تشييع الجنازة لزوم الخشوع ، وترك الحديث ، وملاحظة الميت ، والتفكر في الموت ، والاستعداد له ، وأن يمشي أمام الجنازة بقربها [ 1 ] والإسراع بالجنازة سنة فهذه جمل آداب تنبه على آداب المعاشرة مع عموم الخلق ، والجملة الجامعة فيه ، أن لا تستصغر منهم أحدا حيا كان أو ميتا فتهلك لأنك لا تدري لعله خير منك ، فإنه وإن كان فاسقا فلعله يختم لك بمثل حاله ويختم له بالصلاح . ولا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم ، فإن الدنيا صغيرة عند الله ، صغير ما فيها ، ومهما عظم أهل الدنيا ، في نفسك فقد عظمت الدنيا ، فتسقط من عين الله . ولا تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم ، فتصغر في أعينهم ، ثم تحرم دنياهم ، فإن لم تحرم كنت قد استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير . ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة ، فيطول الأمر عليك في المعاداة ، ويذهب دينك ودنياك فيهم ، ويذهب دينهم فيك ، إلا إذا رأيت منكرا في الدين ، فتعادي أفعالهم القبيحة ، وتنظر إليهم بعين الرحمة لهم ، لتعرضهم لمقت الله وعقوبته بعصيانهم . فحسبهم جهنم يصلونها ، فما لك تحقد عليهم ! ولا تسكن إليهم في مودتهم لك ، وثنائهم عليك في وجهك ، وحسن بشرهم لك ، فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة إلا واحدا ، وربما لا تجده . ولا تشك إليهم أحوالك ، فيكلك الله إليهم . ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيب والسر كما في العلانية ، فذلك طمع كاذب ، وأنّى تظفر به .

--> « 1 » المؤمنون : 99 ، 100