الغزالي

197

إحياء علوم الدين

الأدب الرابع : أن لا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه ، ولكن إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المرآة ، لأن التباكي استجلاب الحزن ، والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط ، فكل سرور مباح فيجوز تحريكه ، ولو كان ذلك حراما لما نظرت عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] وهم يزفنون هذا لفظ عائشة رضي الله عنها في بعض الروايات ، وقد روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، أنهم حجلوا لما ورد عليهم سرور أوجب ذلك ، وذلك في قصة ابنة حمزة [ 2 ] لما اختصم فيها علىّ بن أبي طالب ، وأخوه جعفر ، وزيد بن حارثة رضي الله عنهم ، فتشاحوا في تربيتها ، فقال صلَّى الله عليه وسلم لعلي « أنت منّى وأنا منك » فحجل علي ، وقال لجعفر « أشبهت خلقي وخلقي » فحجل وراء حجل علي ، وقال لزيد « أنت أخونا ومولانا » فحجل زيد وراء حجل جعفر ، ثم قال عليه السلام « هي لجعفر » لأن خالتها تحته ، والخالة والدة وفي رواية أنه قال لعائشة رضي الله عنها « أتحبّين أن تنظري إلى زفن الحبشة » والزفن والحجل هو الرقص ، وذلك يكون لفرح أو شوق ، فحكمه حكم مهيجة إن كان فرحه محمودا ، والرقص يزيده ويؤكده فهو محمود ، وإن كان مباحا فهو مباح ، وإن كان مذموما فهو مذموم نعم لا يليق اعتياد ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة ، لأنه في الأكثر يكون عن لهو ولعب ، وماله صورة اللعب واللهو في أعين الناس فينبغي أن يجتنبه المقتدى به ، لئلا يصغر في أعين الناس فيترك الاقتداء به ، وأما تمزيق الثياب فلا رخصة فيه إلا عند خروج الأمر عن الاختيار ، ولا يبعد أن يغلب الوجد بحيث يمزق ثوبه ، وهو لا يدرى لغلبة سكر الوجد عليه ، أو يدرى ولكن يكون كالمضطر الذي لا يقدر على ضبط نفسه ، وتكون صورته صورة المكره ، إذ يكون له في الحركة أو التمزيق متنفس ، فيضطر إليه اضطرار المريض إلى الأنين ، ولو كلف الصبر عنه لم يقدر عليه ، مع أنه فعل اختياري فليس كل فعل حصوله بالإرادة يقدر الإنسان على تركه ، فالتنفس فعل يحصل بالإرادة ، ولو كلف الإنسان أن يمسك النفس ساعة لاضطر من باطنه إلى أن يختار التنفس ، فكذلك الزعقة وتمزيق