الغزالي

175

إحياء علوم الدين

الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف عليه السلام حتى دهشن وسقط إحساسهن ، وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه قد فنى عن نفسه ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى ، فكأنه فنى عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود ، وفنى أيضا عن الشهود ، فإن القلب أيضا إذا التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد ، فقد غفل عن المشهود ، فالمستهتر بالمرئى لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ، ولا إلى عينه التي بها رؤيته ، ولا إلى قلبه الذي به لذته ، فالسكران لا خبر له من سكره ، والمتلذذ لا خبر له من التذاذه ، وإنما خبره من المتلذذ به فقط ، ومثاله العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم بالعلم بذلك الشيء ، فالعالم بالشيء مهما ورد عليه العلم بالعلم بالشيء كان معرضا عن الشيء ، ومثل هذه الحالة قد تطرأ في حق المخلوق ، وتطرأ أيضا في حق الخالق ، ولكنها في الغالب تكون كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم ، وإن دام لم تطقه القوة البشرية ، فربما اضطرب تحت أعبائه اضطرابا تهلك به نفسه ، كما روي عن أبي الحسن النوري أنه حضر مجلسا فسمع هذا البيت ما زلت أنزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله فقام وتواجد وهام على وجهه ، فوقع في أجمة قصب قد قطع ، وبقيت أصوله مثل السيوف فصار يعدو فيها ، ويعيد البيت إلى الغداة ، والدم يخرج من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه ، وعاش بعد ذلك أياما ومات رحمه الله فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد ، فهي أعلى الدرجات ، لأن السماع على الأحوال نازل من درجات الكمال ، وهي ممتزجة بصفات البشرية وهو نوع قصور ، وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله ، أعنى أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن للنسوة التفات إلى الأيدي والسكاكين فيسمع لله ، وباللَّه ، وفي الله ، ومن الله ، وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق ، وعبر ساحل الأحوال والأعمال واتحد بصفاء التوحيد ، وتحقق بمحض الإخلاص ، فلم يبق فيه منه شيء أصلا بل خمدت بالكلية بشريته ، وفنى التفاته إلى صفات البشرية رأسا ، ولست أعنى بفنائه فناء جسده بل فناء قلبه ، ولست أعنى بالقلب اللحم والدم بل سر لطيف له إلى القلب الظاهر نسبة خفية وراءها سر الروح الذي هو من أمر الله عز وجل ، عرفها من عرفها ، وجهلها من جهلها