الغزالي

163

إحياء علوم الدين

وإنما تحريمه لعارض خارج عن حقيقة ذاته ، فإذا انكشف الغطاء عن دليل الإباحة فلا نبالى بمن يخالف بعد ظهور الدليل وأما الشافعي رضي الله عنه فليس تحريم الغناء من مذهبه أصلا ، وقنص الشافعي وقال في الرجل يتخذه صناعة : لا تجوز شهادته ، وذلك لأنه من اللهو المكروه الذي يشبه الباطل ، ومن اتخذه صنعة كان منسوبا إلى السفاهة وسقوط المروءة ، وإن لم يكن محرما بيّن التحريم ، فإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء ، ولا يؤتى لذلك ، ولا يأتي لأجله ، وإنما يعرف بأنه قد يطرب في الحال فيترنم بها لم يسقط هذا مروءته ، ولم يبطل شهادته ، واستدل بحديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة رضي الله عنها . وقال يونس بن عبد الأعلى : سألت الشافعي رحمه الله عن إباحة أهل المدينة للسماع ، فقال الشافعي : لا أعلم أحدا من علماء الحجاز كره السماع إلا ما كان منه في الأوصاف ، فأما الحداء ، وذكر الأطلال والمرابع ، وتحسين الصوت بألحان الأشعار فمباح ، وحيث قال إنه لهو مكروه يشبه الباطل ، فقوله لهو ، صحيح ، ولكن اللهو من حيث إنه لهو ليس بحرام ، فلعب الحبشة ورقصهم لهو ، وقد كان صلَّى الله عليه وسلم ينظر إليه ولا يكرهه ، بل اللهو واللغو لا يؤاخذ الله تعالى به إن عنى به أنه فعل ما لا فائدة فيه ، فإن الإنسان لو وظف على نفسه أن يضع يده على رأسه في اليوم مائة مرة فهذا عبث لا فائدة له ولا يحرم ، قال الله تعالى * ( لا يُؤاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ ) * « 1 » فإذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم ، والمخالفة فيه مع أنه لا فائدة فيه لا يؤاخذ به ، فكيف يؤاخذ بالشعر والرقص ؟ وأما قوله يشبه الباطل ، فهذا لا يدل على اعتقاد تحريمه ، بل لو قال هو باطل صريحا لما دل على التحريم ، وإنما يدل على خلوه عن الفائدة ، فالباطل ما لا فائدة فيه ، فقول الرجل لامرأته مثلا بعت نفسي منك وقولها اشتريت ، عقد باطل مهما كان القصد اللعب والمطايبة ، وليس بحرام إلا إذا قصد به التمليك المحقق الذي منع الشرع منه ، وأما قوله مكروه فينزل على بعض المواضع التي ذكرتها لك ، أو ينزل على التنزيه ، فإنه نص على إباحة لعب الشطرنج ، وذكر أنى أكره

--> « 1 » البقرة : 225